الرئيسية / الاخبار /

  • المرجع الخالصي: الحضارة الإسلامية لا تُبنى بالطعن المذهبي.. ومنهج الإمام الصادق أساس وحدة الأمة ونهضتها

  • المرجع الخالصي: الحضارة الإسلامية لا تُبنى بالطعن المذهبي.. ومنهج الإمام الصادق أساس وحدة الأمة ونهضتها
    2026/09/03

    المرجع الخالصي: الحضارة الإسلامية لا تُبنى بالطعن المذهبي.. ومنهج الإمام الصادق أساس وحدة الأمة ونهضتها

     

    الكاظمية المقدسة: المكتب الاعلامي 21 ربيع الأول 1448هـ / 3 أيلول 2026م

    أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) أن مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) تمثّل مشروعًا متكاملًا لصيانة الدين، ومواجهة الاستبداد والانحراف الفكري والغلو، والحفاظ على وحدة المسلمين؛ مشددًا على أن الحضارة الإسلامية القادمة لا يمكن أن تُبنى على السبّ والشتائم والصراعات الطائفية، وإنما على الوعي والالتزام بأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) واحترام ما وقع بين المسلمين من اختلافٍ في الاجتهاد. جاء ذلك في محاضرةٍ لسماحته بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف وولادة الإمام الصادق (عليه السلام)، استعرض فيها أبعاد مدرسته العلمية والإصلاحية ودلالاتها لواقع الأمة المعاصر.

    وأشار سماحته إلى اقتران ذكرى ولادة الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) بذكرى ولادة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مبينًا أن هذا التزامن يشير إلى الامتداد الرسالي الذي مثّله الإمام الصادق، كما مثّله سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، في حفظ معالم الإسلام وتجديد الوعي بحقائق الدين.

    وأوضح أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان من أبرز شخصيات المسلمين في القرن الثاني الهجري، وقد عاصر أواخر الحكم الأموي وبدايات الحكم العباسي، في مرحلةٍ اتسمت بتسلّط ولاة الجور وانتشار الظلم والفساد والاستئثار بالأموال، فضلًا عن التضييق على العلماء ومحاولة إخضاع المعرفة الدينية لإرادة السلطة.

    واستعرض سماحته نماذج من اضطهاد العلماء في تلك المرحلة؛ فذكر سجن الإمام أبي حنيفة في العهدين الأموي والعباسي، وضرب الإمام مالك، وما تعرض له الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل من تقييدٍ وسجنٍ وتعذيب، إلى جانب ما ارتكبه الحجاج بن يوسف وغيره من قتل العلماء والفضلاء، كسعيد بن جبير سيد التابعين، وأمثاله من العلماء الصالحين، مؤكدًا أن الطغيان استهدف كل صوتٍ علمي لم يخضع للسلطة أو يسكت عن انحرافها.

    وبيّن أن الإمام الصادق (عليه السلام) نهض، في مواجهة تلك الأجواء، بمهمة إحياء معالم الإسلام التي تضررت بفعل «الملك العضوض»، فعمل على حفظ قيم الدين ونقاء أحكامه، وتوعية الناس بأن ممارسات الحكام الظالمين منافيةٌ للإسلام. كما تصدّى لتدخّل السلطة في الشؤون الدينية وتوظيفها لإثارة الخلاف، مستشهدًا بتدخل الحجاج في تفسير آية الوضوء والجدل بشأن الغسل والمسح ورد كبار الصحابة عليه.

    وأضاف أن الإمام الصادق أصبح غطاءً لحركة الوعي الهادفة إلى صيانة حقائق الدين وترسيخ العدالة والمطالبة بها، كما واجه حالة الترف التي انتشرت نتيجة اتساع الفتوحات وتدفق الأموال، وسعى إلى إعادة الناس إلى الزهد والتعامل مع الدنيا بقدرها الحقيقي، امتدادًا للمنهج الذي جسّده الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجادية وهو منهج النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (ع).

    ولفت سماحته إلى أن الإمام الصادق واجه كذلك الأفكار والنظريات الوافدة ومحاولات التشكيك في الدين والقرآن، وخاض مناظراتٍ مع عددٍ من الزنادقة وأصحاب الاتجاهات الإلحادية، ومنهم ابن أبي العوجاء وابو شاكر الديصاني وغيرهما؛ فكان يحاورهم بالحجة والبرهان، ويكشف ما تنطوي عليه أقوالهم من تناقضات.

    وبيّن أن المرحلة التي عاشها الإمام الصادق أتاحت له فسحةً أوسع لنشر العلم؛ فسطعت مدرسته العلمية وتتلمذ على يديه أناسٌ من اتجاهاتٍ متعددة، واستشهد بما يُنقل عن الإمام أبي حنيفة في بيان أثر التلمذة على الإمام جعفر الصادق في تكوينه الفقهي، بوصف ذلك شاهدًا على اتساع مدرسة الإمام وتجاوزها الانقسامات المذهبية المتأخرة.

    وانتقل سماحته إلى البعد العملي في إحياء ذكرى الإمام الصادق، مؤكدًا أن الانتساب إليه لا يتحقق بالاسم أو الشعار، وإنما باتباع أخلاقه وسيرته وعلمه وتهذيبه. واستشهد بقول الإمام (عليه السلام): «كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا»، داعيًا إلى أن تكون ذكراه منطلقًا للاقتداء الحقيقي، لا مناسبةً للاكتفاء بالعاطفة أو ممارسة ما تمليه الأهواء والرغبات.

    وأوضح أن الإمام الصادق ركّز، فيما يتصل بعقيدة الأمة ووحدتها، على قضيتين أساسيتين: مواجهة الغلو في شخصه وفي أهل البيت (عليهم السلام)، ومنع كل ما يؤدي إلى تفريق المسلمين وتمزيق جماعتهم. وفي هذا السياق، أورد الرواية التي أعلن فيها الإمام: «فإننا عبادٌ مربوبون، مملوكون، ليس لنا من الأمر شيء»، مؤكدًا أن صيانة العقيدة من المبالغات والانحرافات شرطٌ لحفظ الدين، وأن الانتساب إلى أهل البيت يوجب الالتزام بما قرروه من عبوديتهم الخالصة لله تعالى.

    أما في الجانب السلوكي والاجتماعي، فأشار إلى أن الإمام الصادق كان ينهى عن إيجاد أسباب التفرقة داخل الأمة، ويذكّر المسلمين بوحدة صلاتهم ومساجدهم وجمعاتهم، ويحث أتباعه على المشاركة في جماعة المسلمين، وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وعدم الانقطاع عنهم.

    وبيّن سماحته أن دعوة الإمام إلى الصلاة مع عامة المسلمين، حتى في المساجد التي يشرف عليها السلطان الجائر، لم تكن إقرارًا بظلم السلطة، وإنما كانت حرصًا على ألّا ينقسم المسلمون إلى جماعتين متقاطعتين؛ إذ دعا الإمام أتباعه إلى البقاء بين الناس، وتوعيتهم بحقيقة ما يجري، وكشف ممارسات السلطان من دون الانعزال عن المجتمع أو تمزيق جماعة المسلمين.

    ونبه إلى استعمال بعض الخطباء والباحثين تعبيراتٍ من قبيل «هذا القول عندنا، وذاك عند غيرنا»، داعيًا إلى اعتماد لغة الأخوة، والقول: «عند إخواننا» أو «عند بعض علماء المسلمين»، بدلًا من اللغة التي تكرّس الحواجز النفسية والانقسام بين أبناء الأمة وتحول العلاقة بينهم إلى معادلة «نحن وأنتم» بدل معادلة «اننا أمة واحدة».

    وأوضح أن المصطلحات المذهبية المعاصرة لا يمكن إسقاطها بصورةٍ آلية على عصر الأئمة؛ فمفهوم التشيع آنذاك كان يشمل مراتب متعددة، تبدأ بالاعتقاد بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان على الحق وأن قاتليه ظلموه وظلموا رسول الله وأهل بيته، ثم الإقرار بأن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفةٌ وإمام عدل، وصولًا إلى الاعتقاد بأولويته في الولاية وخلافة رسول الله وتفضيله على سائر الصحابة.

    وشدد سماحته على أن الممارسات القائمة على السبّ والشتم والطعن واللعن لم يكن من منهج أهل البيت (عليهم السلام)، وأن قطاعًا واسعًا من المسلمين اليوم يلتقي مع مراتب التشيع بمفهومه التاريخي العام، ولا سيما في الاعتقاد بمظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) وعدالة الإمام علي (عليه السلام) ومكانته الخاصة؛ الأمر الذي يوجب التركيز على المشتركات بدلًا من تغذية الصراع المذهبي.

    وأكد أن الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنه مع الحق والحق معه، لا يستلزم الدخول في حملات التهاتر؛ فالبحث العلمي والحوار في المسائل المختلف فيها أمرٌ مشروع، شريطة أن يجريا باحترامٍ وثقة وأدب، وأن يستندا إلى المصادر والأدلة، بعيدًا عن تحويل الفضائيات والمنابر الإعلامية إلى ساحاتٍ للطعن وإثارة الحقد والكراهية.

    وحذّر من الخطاب الذي يصوّر السنة والشيعة وكأن كلًّا منهما هو العدو الوحيد للآخر، فيما تُهمَل الأخطار الحقيقية التي تواجه الأمة. وانتقد المواقف الطائفية التي تدفع بعض المسلمين إلى الفرح بالعدوان الأميركي على إيران، أو الصمت عن ضرب العراق وسوريا والجولان، مؤكدًا أن ذلك يخالف شرع الله ومدرسة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، ويسمح لإسرائيل وسائر أعداء الأمة باستغلال انقساماتها والاعتداء على بلدانها وشعوبها.

    واختتم سماحته محاضرته بالتأكيد أن الأمة المعاصرة والحضارة الإسلامية القادمة لا تُبنيان على السب والشتائم واللعن والطعن باسم السنة أو الشيعة، وإنما على الوعي واحترام الاختلاف ووحدة المسلمين. واستشهد بقول الشيخ أحمد الكبيسي: «الأمة لا تنهض إلا بإمامٍ على منهج الباقر والصادق»، مؤكدًا أن حمل منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في العلم والأخلاق والوحدة هو الطريق إلى جمع الأمة وتمكينها من النهوض من جديد.

    03-09-2026-0103-09-2026-02