مدرسة الإمام الخالصي تستضيف محاضرة علمية حول مفهوم طاعة الحاكم وواجب الجهاد في الفكر الإسلامي
الكاظمية المقدسة – 14 آذار 2026م
احتضنت مدرسة الإمام الخالصي في مدينة الكاظمية المقدسة محاضرة علمية ألقاها الأستاذ جعفر صادق الجبوري بعنوان: "حدود طاعة الحاكم وواجب الجهاد في الإسلام"، وذلك ضمن الأنشطة الفكرية التي تنظمها المدرسة لتشجيع الباحثين والمتخصصين على عرض دراساتهم وأبحاثهم العلمية بما يسهم في نشر الوعي والمعرفة وخدمة المجتمع.
وتناولت المحاضرة قضيةً فقهية وفكرية من أبرز القضايا التي تشهد نقاشًا واسعًا في العالم الإسلامي اليوم، وهي حدود طاعة الحاكم في الإسلام وعلاقتها بواجب الجهاد والدفاع عن الأمة، في ظل ما تشهده المنطقة من أحداث وصراعات تمسّ عدداً من البلدان الإسلامية.
واستهلّ الاستاذ الجبوري محاضرته بالحمد والثناء والصلاة على النبي محمد وآله الطاهرين، مبينًا أن هذه القضية ليست جديدة في تاريخ الأمة، بل رافقت مسيرتها عبر القرون، غير أن الظروف الراهنة أعادت طرحها بقوة، خصوصًا بعد صدور فتاوى تدعو إلى الجهاد دفاعًا عن بلاد المسلمين التي تتعرض للاعتداء. وأوضح أن بعض المسلمين يبررون اليوم موقفهم المتسم بالسكوت أو عدم التفاعل مع ما يجري من اعتداءات على الشعوب الإسلامية بحجة وجوب طاعة الحاكم، وهو ما عدّه من الأخطاء الكبيرة في فهم النصوص الشرعية.
الطاعة في الإسلام ليست مطلقة
وبيّن الجبوري أن الإسلام لم يقرّ الطاعة المطلقة للحاكم، بل جعلها طاعةً مشروطة بالالتزام بطاعة الله ورسوله، مستشهدًا بخطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق عند توليه الخلافة، حين قال: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
وأشار إلى أن هذه الكلمات تمثل قاعدة سياسية وفقهية واضحة في الفكر الإسلامي، إذ تؤكد أن الحاكم ليس معصومًا ولا فوق المحاسبة، وأن للأمة حق تقويمه إذا أخطأ.
التأصيل القرآني لمفهوم الطاعة
وتوقف الجبوري عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ النساء:59، مبينًا أن القرآن الكريم كرر فعل الطاعة مع الله والرسول، ولم يكرره مع أولي الأمر، وهو ما يدل – كما أوضح العلماء – على أن طاعة الحكام تابعة لطاعة الله ورسوله وليست مستقلة عنها.
وأضاف أن القرآن الكريم نهى في مواضع أخرى عن طاعة الظالمين والمفسدين، الأمر الذي يؤكد أن الطاعة لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لتبرير الظلم أو تعطيل الشريعة.
السنة النبوية تؤكد هذا المبدأ
كما استعرض عددًا من الأحاديث النبوية التي تؤكد هذا المعنى، ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقوله: "إنما الطاعة في المعروف".
وأوضح أن هذه النصوص تضع أساسًا واضحًا في العلاقة بين الأمة والحاكم، وهو أن الطاعة تكون في المعروف والعدل، وتسقط عند المعصية والظلم، مشيرًا إلى الحديث النبوي: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
ترك الجهاد وأثره على الأمة
وتناول الجبوري في محاضرته قضية ترك الجهاد والدفاع عن المسلمين، مؤكدًا أن النصوص الإسلامية حذّرت من ترك هذه الفريضة لما يترتب عليه من ضعف الأمة ووقوعها في الذل التاريخي.
وبيّن أن فريضة الجهاد، عندما يقع العدوان على بلاد المسلمين أو على دمائهم وأعراضهم، لا تتوقف على رأي شخص بعينه أو جهة محددة، بل هي حكم شرعي ثابت في القرآن والسنة، ويتحمل مسؤوليته المسلمون بحسب قدرتهم واستطاعتهم.
دعوة لتصحيح المفاهيم
وشدد الباحث على أن طرح هذه القضية لا يستهدف جهة أو طائفة بعينها، بل يهدف إلى تصحيح مفهوم شائع لدى بعض المسلمين، حيث يبرر بعضهم ترك نصرة المظلومين بحجة طاعة الحاكم، فيما يعتذر آخرون عن ترك الجهاد بانتظار صدور فتوى من جهة معينة.
وأكد أن الأحكام الشرعية الكبرى، ومنها الدفاع عن الأمة وحفظ الدين والكرامة، لا يجوز تعطيلها بحجج سياسية أو اجتهادات خاطئة.
خاتمة المحاضرة
وفي ختام محاضرته، أكد الأستاذ جعفر صادق الجبوري أن الأمة التي تسكت عن الظلم وتبرر الفساد وتترك فريضة الجهاد تسير نحو الضعف والذل، بينما الأمة التي تتمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقف في وجه الطغيان هي الأمة القادرة على صناعة التاريخ وصيانة كرامتها.
ودعا إلى إحياء روح البصيرة والشجاعة في قول الحق، والتمسك بالقيم الإسلامية التي تدعو إلى نصرة المظلومين ومواجهة الظلم والعدوان.