ندوةٌ في مدرسة الإمام الخالصي تُحذّر من تشويه مفهوم التنمية البشرية وتحويله إلى أداةٍ لنفخ الذات والتمرد المجتمعي
الكاظمية المقدسة – 20 أيار 2026م
أقامت مدرسة الإمام الخالصي في الكاظمية المقدسة ندوةً فكريةً بعنوان: «مفهوم التنمية البشرية ومصاديقه التطبيقية»، ألقاها الدكتور بلال الزبيدي، بحضور جمعٍ من المهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي والتربوي. استُهِلَّت الندوة بتلاوةِ آياتٍ من الذكر الحكيم، تلاها القارئ الأستاذ جعفر الجبوري.
وفي مستهلّ حديثه، بيّن الدكتور الزبيدي أنّ العلم الحقيقي مصدره الله سبحانه وتعالى، مستشهداً بالآيات القرآنية التي تُبرز قيمة التعلّم والتذكير، موضحاً أنّ الإنسان مزوّدٌ بالفطرة والعقل والحواس التي تمكّنه من إدراك الحقائق واكتساب المعرفة، وأنّ جميع العلوم التي يصل إليها البشر إنّما تعود في أصلها إلى ما علّمه الله تعالى للإنسان.
وبيّن المحاضر أنّ اختياره لموضوع التنمية البشرية جاء نتيجة ملاحظةٍ واقعيةٍ لحضور هذا المصطلح في مختلف مفاصل الحياة، سواء في الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام أو في المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، لافتاً إلى أنّ المفهوم يُطرح اليوم بصورةٍ واسعة، لكنّه غالباً ما يُقدَّم بطريقةٍ مشوَّهة تُفرغه من مضمونه الحقيقي.
وأوضح أنّ التنمية البشرية في أصلها العلمي والأكاديمي تمثّل مشروعاً مجتمعياً شاملاً يهدف إلى الارتقاء بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والصحي للإنسان، عبر تطوير المجتمع ككل، وليس عبر استهداف الأفراد بصورةٍ منفصلة، مؤكداً أنّ جوهر التنمية الحقيقية يقوم على خدمة المجتمع، وتوفير مقومات العدالة والتعليم والصحة والاقتصاد بصورةٍ عامة، لا على أساس الامتيازات الفردية أو الطبقية.
وأشار الزبيدي إلى أنّ السياسات الرأسمالية المعاصرة، ولا سيما مشاريع الخصخصة، تتعارض مع المفهوم الحقيقي للتنمية البشرية؛ لأنها تُحوّل الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة، إلى امتيازاتٍ طبقية تخدم فئاتٍ محددة، بدلاً من أن تكون حقاً عاماً للمجتمع بأسره، عاداً أنّ هذا المسار أسهم في تعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في كثيرٍ من دول العالم.
وانتقد المحاضر ما وصفه بتحويل مفهوم التنمية البشرية إلى مجموعة دوراتٍ وشعاراتٍ تروّج للإغترار بالذات وتعزيز النزعة الفردية، مشيراً إلى انتشار برامج وكتب تركز على عناوين من قبيل: «نظرية الفستق»، و«الثقة بالنفس»، و«كيف تصبح مليونيراً»، و«ابقَ قوياً»، وغيرها من الطروحات التي تستهدف الفرد بمعزلٍ عن المجتمع، وتُغذّي النزعة الأنانية والتمرد على القيم والأعراف، من دون تقديم مضمونٍ علميٍّ أو ثقافيٍّ حقيقي.
ولفت إلى أنّ هذا النوع من الخطاب أسهم في صناعة جيلٍ يعاني من التضخم الذاتي والغرور الفكري، محذراً من استغلال بعض الجهات لهذه المفاهيم في التأثير على الشباب ودفعهم نحو الانفعال والتمرد، بعيداً عن الوعي الحقيقي بطبيعة التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات.
وفي السياق ذاته، تناول الدكتور الزبيدي مفهوم «الثقة بالنفس»، معتبراً أنّ الإفراط في تعظيم الذات يمثل خطراً تربوياً ونفسياً، وأنّ البديل الصحيح يتمثل في ترسيخ مفهوم المسؤولية والعمل والالتزام، موضحاً أنّ التربية السليمة تقوم على تشجيع الإنسان على الإنجاز وتحمل المسؤولية، لا على تضخيم الذات وإشعاره بالتفوق المطلق. كما استشهد بعددٍ من الآيات القرآنية التي تُذكّر الإنسان بضعفه وحاجته الدائمة إلى الله سبحانه وتعالى، مؤكداً أنّ التواضع ونكران الذات يمثلان أساس البناء الإيماني والتربوي الصحيح.
كما شدّد على أهمية التربية العملية القائمة على إشراك الأبناء في تحمل المسؤوليات والواجبات اليومية، مبيناً أنّ تحميل الإنسان مسؤولية العمل والإنتاج يسهم في بناء شخصيةٍ متوازنة وواعية، بخلاف الأساليب القائمة على المبالغة في المديح أو صناعة الشعور الزائف بالتفوق.
وتطرّق المحاضر إلى أهمية الرياضة والأنشطة المفيدة في استثمار طاقات الشباب وتوجيهها بصورةٍ صحيحة، محذراً من الفراغ الفكري والثقافي الذي قد يجعل الشباب عرضةً للتأثر بالشعارات والمفاهيم المنحرفة أو السطحية. كما أكّد أنّ معالجة هذه الظواهر لا تكون إلا بالعودة إلى القيم الإيمانية والثقافة القرآنية التي تُرسّخ التواضع والشعور بالمسؤولية والانتماء للمجتمع.
وفي ختام الندوة، دعا الدكتور بلال الزبيدي إلى إعادة قراءة مفهوم التنمية البشرية قراءةً علميةً وأخلاقيةً واعية، تُعيد للإنسان توازنه الحقيقي بين بناء الذات وخدمة المجتمع، وتُحصّن الأجيال من الانخداع بالشعارات التي تُغذّي الأنانية والفراغ الروحي والفكري، مؤكداً أنّ النهضة الحقيقية تبدأ من الإيمان بالله، وتحمل المسؤولية، والعمل الصادق لخدمة الناس والمجتمع.
وفي ختام الندوة، دعا الدكتور بلال الزبيدي إلى إعادة قراءة مفهوم التنمية البشرية قراءةً علميةً وأخلاقيةً واعية، تُعيد للإنسان توازنه الحقيقي بين بناء الذات وخدمة المجتمع، وتُحصّن الأجيال من الانخداع بالشعارات التي تُغذّي الأنانية والفراغ الروحي والفكري، مؤكداً أنّ النهضة الحقيقية تبدأ من الإيمان بالله، وتحمل المسؤولية، والعمل الصادق لخدمة الناس والمجتمع.









