مدرسة الإمام الخالصي تحتضن ندوة علمية حول تجديد الخطاب الإسلامي ومسؤولية العلماء تجاه قضايا الأمة
الدجيلي من مدرسة الإمام الخالصي: قضايا غزة والمحاصصة وثروات الأمة تستوجب موقفاً دينياً واضحاً
الكاظمية المقدسة: 16 جمادى الاولى 1448هـ / 28 تشرين الاول 2026م
احتضنت مدرسة الإمام الخالصي في مدينة الكاظمية المقدسة، برعاية وحضور سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، ندوة علمية حوارية ثقافية للباحث الشيخ عمار الدجيلي، بعنوان «المشروع الإسلامي المعاصر: بين النمطية والأيديولوجية وضرورات تجديد الخطاب المرحلي»، بمشاركة جمع من الأكاديميين والمثقفين، تناولت مسؤولية العلماء في قضايا الأمة وضرورة تجديد الخطاب الإسلامي بما يستجيب لتحديات المرحلة ويحافظ على ثوابته.
وافتُتحت الندوة بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت المقرئ الحاج رضا الحلبي، أعقبتها كلمة افتتاحية للأستاذ جعفر صادق الجبوري، أكد فيها أن الوعي ليس ترفاً فكرياً، وأن الخطاب الإسلامي مطالب بفهم الواقع وتشخيص تحدياته والاستجابة لمتطلباته، موضحاً أن المشروع الإسلامي رسالة حية تستمد أصولها من ثوابت الإسلام وتستوعب المتغيرات، ولا تختزل في شعارات أو قوالب جامدة، مبيناً أن تجديد الخطاب يعني تطوير أدوات الفهم والتعبير والعمل لتحقيق العدل والكرامة والإصلاح، مع التمييز بين الثوابت والأساليب القابلة للتجدد، وتجاوز النمطية والأطر الأيديولوجية المغلقة التي تحجب رؤية الواقع، مؤكداً أهمية الحوار في حدود الثبات والتغيير، وصياغة خطاب يحفظ أصالته وصلته برسالته.
وفي محاضرته، عدّ سماحة الشيخ عمار الدجيلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد سمتين أساسيتين تميزان الشريعة الإسلامية وتمنحانها حيويتها وقابليتها للتجدد والتفاعل مع المجتمع، موضحاً أن المسؤولية الدينية تتجاوز العبادات الفردية إلى التدخل الإيجابي في إصلاح الواقع ومواجهة الانحرافات حين تتحول إلى ظواهر عامة، ضمن الضوابط الشرعية، ومن دون تجسس على خصوصيات الناس أو تفتيش عن أسرارهم.
وأشار إلى أن الجهاد يرتبط بمسؤولية الدفاع عن الأمة عند تعرضها للغزو والانتهاك واستغلال الثروات، مستعرضاً منزلته الروحية ومقام الشهادة، ومؤكداً أن جهاد النفس أساس الاستعداد لتحمل المسؤوليات الكبرى؛ فالاستقامة في الأسرة والعمل، وأداء الفرائض، واجتناب المحرمات والرشوة وأكل المال الحرام، تبني الانضباط الداخلي الذي يهيئ الإنسان للتضحية، فيما تعوقه المصالح والمغانم عن أداء واجبه.
وأوضح أن اختلاف قراءة هذين المفهومين أفضى إلى تعدد اتجاهات الخطاب الإسلامي المعاصر، شيعياً وسنياً. ففي الفقه الشيعي، تناول المسألة من خلال حدود ولاية الفقيه ومساحة تصديه للشأن العام، معتبراً أن هذا البحث ذو أصل فقهي قديم.
واستعرض الاتجاهات الفقهية، مبيناً أن الإمام الخميني يتبنى نطاقاً واسعاً لصلاحيات الفقيه الجامع للشرائط في إدارة الشأن العام، يشمل إقامة الحدود وإعلان الجهاد ورعاية مصالح المؤمنين، فيما نسب إلى السيد الخوئي ومشهور الفقهاء الاقتصار على ما يثبته الدليل في القضاء، والقيمومة على القاصرين، والتولي على الأوقاف. وأشار إلى أن السيد السيستاني يتيح التصدي للقضايا العامة الحساسة مع توافر القبول العام، مميزاً بين الفتوى والحكم في هذه الموارد.
وتوقف عند الأمور الحسبية التي تقتضي منع الفوضى وحفظ انتظام المجتمع، مستشهداً بتشكيل السيد الخوئي مجموعة من الفضلاء لإدارة الشؤون العامة خلال الانتفاضة الشعبانية وغياب مؤسسات الدولة، مؤكداً أن فهم المباني والأدلة الفقهية ضروري لتفسير اختلاف المواقف وحدود التصدي.
وفي قراءته للاتجاهات السنية، استعرض نشأة جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928م بقيادة حسن البنا، في سياق البحث عن قيادة للأمة بعد انتهاء الخلافة العثمانية، وجمع مشروعها بين الدعوة والتنمية الدينية وإقامة الفرائض والسعي إلى الحكم. وقارن بين بعض أفكار البنا وأطروحات سيد قطب في الجاهلية والحاكمية والعزلة الشعورية، مشيراً إلى كتاب حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة» في مواجهة القراءات المتشددة والتكفيرية.
وتناول تعدد الحركات والاتجاهات، من التكفير والهجرة والجماعة الإسلامية والجهاد وتنظيم القاعدة، إلى تجارب العمل الحزبي وأطروحات راشد الغنوشي وحسن الترابي، مستشهداً بتنوع أجنحة جبهة الإنقاذ الجزائرية بين المرجعية الوطنية التاريخية والاتجاهات الإخوانية والسلفية والجهادية والسياسية. وبيّن أن اختلاف القراءات أنتج تبايناً بين عرض البرامج على المجتمع وقبول اختياره، وبين السعي إلى السلطة بالقوة والعنف.
ورأى الدجيلي أن المخرج المشترك، رغم اختلاف هذه المباني، يتمثل في رجوع الناس إلى العلماء في الحوادث الكبرى، وتحمل العلماء مسؤولية بيان الموقف الشرعي بوضوح، مستنداً إلى التوجيه بالرجوع إلى رواة الحديث في «الحوادث الواقعة»، التي لا تنحصر، بحسب طرحه، في أحكام العبادات والمعاملات، بل تشمل المستجدات المصيرية في حياة الأمة، سواء امتلك العلماء حضوراً سياسياً في الدولة أم لم يمتلكوه.
وفي هذا السياق، طرح تساؤلات بشأن الموقف من المحاصصة، والاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية، والهجوم الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية، ورواتب النواب والمغانم وتقاسم المواقع والثروات، مؤكداً حاجة الناس إلى معرفة تكليفهم الشرعي إزاء هذه القضايا، ومحذراً من أن غياب البيان الواضح يفقد المجتمع بوصلته ويتركه أمام الالتباس.
وانتقد إحجام بعض الأوساط الدينية عن تناول ما يجري في غزة منذ عام 2023 بذريعة تجنب السياسة، مؤكداً أن الدفاع عن المحرومين والفلاحين والطلبة والعاطلين عن العمل، والمطالبة بالخدمات والكهرباء وحماية الحقوق، مسؤوليات تتصل بمصالح الأمة. وميّز بينها وبين التنافس الحزبي على المناصب والمصالح، محذراً كذلك من ادعاء احتكار تمثيل الإسلام على حساب المذاهب والأفكار الأخرى.
واستشهد بمواقف الإمام الخميني في مطالبة الشاه بقطع العلاقة مع إسرائيل، وتحقيق العدالة وصون الثروات والحريات والكف عن استهداف العلماء، وبموقف السيد أبي القاسم الكاشاني من مسؤولية العالم في الشأن السياسي. كما استحضر أثر الخطاب الديني في تعبئة المجتمع لمواجهة تنظيم داعش، وقارن بين دور فتاوى العلماء في ثورة العشرين العراقية ودور الخطاب الوطني في ثورة مصر عام 1919، لإبراز خصوصية التأثير الديني في المجتمع العراقي.
واختتم الدجيلي بالتأكيد أن تجديد الخطاب المرحلي يقتضي موقفاً صريحاً من القضايا التي تمس أرواح الناس وعقيدتهم ومستقبلهم وثرواتهم، وعدم تركها للكتل السياسية وحدها، مع إقراره بالدور الأساسي للمثقفين والكتّاب والواعين، مشدداً على مسؤولية العلماء في التوجيه وفق الضوابط الشرعية وجمع كلمة الأمة.
وشهد ختام الندوة وعلى هامشها نقاشات ومداخلات أثرت موضوعاتها ووسّعت الحوار حول الأفكار المطروحة وسبل الاستجابة لمتطلبات المرحلة.


























