الرئيسية / الاخبار /

  • مدرسة الإمام الخالصي تستضيف الدكتور علي الكيالي: التدبر في القرآن مفتاح فهم رسالته وتجديد الوعي بآياته

  • مدرسة الإمام الخالصي تستضيف الدكتور علي الكيالي: التدبر في القرآن مفتاح فهم رسالته وتجديد الوعي بآياته
    2026/06/17

    مدرسة الإمام الخالصي تستضيف الدكتور علي الكيالي: التدبر في القرآن مفتاح فهم رسالته وتجديد الوعي بآياته

     

    الكاظمية المقدسة – 1 محرم الحرام 1448هـ / 17 حزيران 2026م

    أكد الباحث الدكتور علي الكيالي أن القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى التدبر والتفكر في آياته، لا إلى الاقتصار على حفظ نصوصه، مشدداً على أن باب التدبر مفتوح أمام جميع المؤمنين، وأن كثيراً من الإشكالات والتساؤلات القرآنية يمكن الوصول إلى أجوبتها من خلال الربط بين الآيات واستحضار السياق القرآني العام.

    جاء ذلك خلال ندوة فكرية ألقاها في مدرسة الإمام الخالصي بمدينة الكاظمية المقدسة، تناول فيها عدداً من النماذج التدبرية في القرآن الكريم، داعياً إلى إعادة إحياء ثقافة التأمل والبحث في دلالات النص القرآني، وعدم الاكتفاء بالتلقي التقليدي للتفسيرات دون مراجعة أو تفكير.

    وأوضح الكيالي في مستهل حديثه أن الله سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ القرآن الكريم، ولم يكلّف الأمة بحفظه بقدر ما دعاها إلى تدبره وفهم رسالته، مبيناً أن الأفكار التدبرية التي عرضها جاءت نتيجة تأملات قرآنية دوّنها في مؤلفات حملت عنوان «ومضات قرآنية»، انطلاقاً من قناعته بأهمية تسجيل الخواطر والأفكار التي تفتح آفاقاً جديدة في فهم النص القرآني.

    وتناول في المحور الأول قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الواردة في سورتي النحل وإبراهيم، متوقفاً عند اختلاف ختام الآيتين بين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، مع اتحاد النص في بقية الآية.

    وبيّن أن الفرق بين «العد» و«الإحصاء» يكمن في أن العد يقتصر على تعداد النعم، بينما يتضمن الإحصاء دراسة تفاصيلها وأبعادها وآثارها، وهو أمر يتعذر على الإنسان الإحاطة به مهما بلغ علمه. ورأى أن مفتاح فهم اختلاف خاتمة الآيتين يكمن في قوله تعالى:﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، معتبراً أن المؤمن، وإن عجز عن أداء حق النعم الإلهية، تشملُه رحمة الله ومغفرته، بينما يقع غيره تحت عنوان الظلم والكفران لعدم استعداده لتحمل مسؤولية تلك النعم وشكرها.

    واستشهد في هذا السياق بعدد من الروايات والمواعظ التراثية التي تؤكد أن نعمة واحدة من نعم الله تعالى قد تفوق بأهميتها جميع أعمال الإنسان، بما يبرز سعة الرحمة الإلهية وعجز البشر عن أداء حق النعم التي أسبغها الله عليهم.

    وفي المحور الثاني، دعا الكيالي إلى إعادة النظر في بعض التفسيرات الشائعة للآيات القرآنية، مستعرضاً قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ الواردة في سورة البلد، والتي درج كثير من المفسرين على تفسيرها بطريقي الخير والشر.

    ورأى أن هذا التفسير يتعارض – بحسب قراءته – مع آيات أخرى تؤكد أن الله تعالى هدى الإنسان إلى سبيل واحد مستقيم، تاركاً له حرية الاختيار بين الشكر والكفر، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾.

    وانطلاقاً من المعنى اللغوي لكلمة «النجدين» بوصفهما مرتفعين، قدّم قراءة تدبرية تربط الآية بالرضيع وثديي الأم، معتبراً أن الله سبحانه وتعالى هدى الطفل منذ ولادته إلى مصدر غذائه وبقائه، مستشهداً بما شاهده خلال عمله في المجال الطبي من حالات تتعلق بتشوهات الشفة والحنك وتأثيرها المباشر على قدرة الرضيع على الرضاعة.

    وأضاف أن هذه الهداية الفطرية تظهر كذلك في عالم الحيوان، حيث يتجه المولود بصورة غريزية نحو مصدر الغذاء فور ولادته، معتبراً أن ذلك يمثل نموذجاً للهداية الإلهية المباشرة التي أودعها الله في المخلوقات.

    أما المحور الثالث، فتناول فيه قوله تعالى في سورة النمل: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، في سياق الحديث عن خطاب الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام بعد حادثة العصا.

    وسعى الكيالي إلى بيان المقصود بالظلم الوارد في الآية، مؤكداً أن الأنبياء لا يظلمون أقوامهم أو رسالاتهم، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة النبوة ووظيفة التبليغ، وإنما يتعلق – بحسب فهمه – بما وصفه القرآن بمواضع «ظلم النفس».

    واستعرض عدداً من النماذج القرآنية التي رأى أنها تندرج ضمن هذا السياق، منها قصة نبي الله نوح عليه السلام وسؤاله ربه بشأن ابنه، وقصة داود عليه السلام في قضية الخصمين، وقصة موسى عليه السلام بعد قتله المصري خطأً، وما ورد في شأن سليمان ويونس عليهما السلام، مبيناً أن القرآن عرض هذه الوقائع مقرونة بالاستغفار والإنابة وطلب المغفرة.

    وأكد أن هذه النماذج لا تمس مقام النبوة ولا عصمة الرسالة، وإنما تكشف عن طبيعة العلاقة المباشرة بين الأنبياء وربهم، وأن القرآن الكريم لا يعرف المجاملة في عرض الوقائع أو بيان الحقائق، مهما علت منزلة الشخصيات التي يتحدث عنها.

     

    وفي ختام الندوة، شدد الكيالي على أن كثيراً من المسلمين تلقوا القرآن في مراحل التعليم بوصفه نصاً للحفظ والامتحان أكثر من كونه مشروعاً للفهم والتدبر، داعياً إلى إحياء منهج القراءة الواعية للنص القرآني، والانفتاح على البحث العلمي والمعارف الحديثة التي تكشف جوانب جديدة من الإعجاز القرآني، مؤكداً أن القرآن لا يزال يزخر بآفاق واسعة للتأمل والاكتشاف، وأن الحاجة ما تزال قائمة إلى مزيد من الدراسات التدبرية التي تعيد وصل الأمة بكتابها الكريم وفهم رسالته الحضارية والإنسانية.

     

    17-06-2026-0117-06-2026-0217-06-2026-0317-06-2026-0417-06-2026-0517-06-2026-06