مدرسة الإمام الخالصي.. شخصيات علمائية ووفود شعبية تشارك في وقفة تضامنية مع الشعب الإيراني وأبناء الأمة بمناسبة استشهاد القائد الخامنئي
في أجواءٍ خيّم عليها الحزن ويغمرها الخشوع، أقامت مدرسة الإمام الخالصي، يوم الأحد 11 من شهر رمضان المبارك 1447هـ، الموافق 1 آذار/مارس 2026م، وقفةً تضامنيةً احتجاجيةً بمشاركة وفودٍ علمائية وشخصيات دينية واجتماعية، تعزيةً باستشهاد القائد الديني سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه).
وقد استقبلت المدرسة جمعاً من العلماء والمشايخ وطلبة العلوم الدينية، الذين توافدوا لتقديم التعازي وإعلان التضامن، في مشهدٍ اتسم بروحٍ إيمانيةٍ عالية، واستحضارٍ واضحٍ لرمزية الشهادة في الوعي الإسلامي، حيث تداخلت مشاعر الأسى مع عبارات الثبات، وتعانقت كلمات المواساة مع دعوات الصبر والاحتساب.
واتسمت الوقفة بأجواءٍ روحانية، تخللتها تلاوات قرآنية وأدعية وابتهالات، وسط حضورٍ لافتٍ لرجال الدين وطلبة الحوزة العلمية، الذين بدا عليهم التأثر البالغ بالمناسبة، فيما ركّزت الكلمات على معاني التضامن واستحضار رمزية شهر رمضان المبارك بوصفه شهر الصبر والتضحية ومراجعة الذات.
المرجع الخالصي: الشهادة محطة عزٍّ تعيد صياغة مسار الأمة
استهلّ المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) كلمته بالحمد والثناء والصلاة على النبي وآله الأطهار، مرحّباً بالحضور من العلماء والوافدين، ومقدّماً التعازي للشعب العراقي والشعب الإيراني، ولعموم المسلمين، سائلاً الله تعالى أن يجعل هذه المصيبة مدخلاً لرفعة الأمة وثباتها.
وأشار إلى أن حادثة الاستشهاد، رغم ما تحمله من ألمٍ إنساني عميق، تمثّل محطة عزٍّ ونصرٍ في مسيرة الأمة، مؤكداً أن صفحات التاريخ الإسلامي حافلة بمحطاتٍ تحوّلت فيها المحن إلى منعطفاتٍ فاصلة أعادت صياغة موازين القوة والصراع، مبيناً أن دماء الشهداء كانت دائماً بذوراً لنهضاتٍ جديدة.
وتطرّق إلى سيرة السيد علي الحسيني الخامنئي، مشيراً إلى ثلاث ركائز أساسية في مسيرته: الإيمان العميق المرتكز إلى القرآن الكريم، وخيار الجهاد بوصفه موقفاً مبدئياً لا ظرفياً، والسعي لتعزيز وحدة المسلمين وتقريب وجهات النظر بين مدارسهم الفكرية.
وأضاف أن علاقاته الممتدة مع علماء من مذاهب ومناطق متعددة عكست اهتماماً بالحفاظ على التماسك الداخلي للأمة في ظل تحدياتٍ سياسية وأمنية معقّدة.
وختم كلمته بالتأكيد على أن المسؤولية اليوم مضاعفة في حفظ المبادئ وصيانة المسار.
الشيخ العاني: الثبات على المبدأ معيار الفوز الحقيقي
توالت الكلمات بعد ذلك، حيث ألقى الشيخ الدكتور عدنان العاني كلمةً استشهد فيها بآياتٍ قرآنية تؤكد خلود الشهداء ومقامهم الرفيع، معبّراً عن بالغ الحزن إزاء الحادثة، واصفاً إياها بأنها فاجعة تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس وجدان الأمة بأسرها.
وأشار إلى أن الموت سنّة إلهية لا يُستثنى منها أحد، مستحضراً قوله تعالى: “كل نفسٍ ذائقة الموت”، ومؤكداً أن معيار الفوز الحقيقي هو الثبات على المبدأ. كما وجّه انتقادات حادة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، معتبراً أن ما جرى يمثل امتداداً لصراعاتٍ طويلةٍ في المنطقة، وأن الأحداث الأخيرة تعكس تصعيداً جديداً في سياق تلك المواجهات
وشدّد على ضرورة التمسك بالقيم التي كان يدعو إليها الفقيد، وعدم الانجرار إلى اليأس أو التراجع، مؤكداً أن الأمم تُختبر في لحظات الفقد كما تُختبر في لحظات النصر.
السيد الجابري: الدماء تصنع المسارات ولا تُنهيها
من جانبه، عدّ السيد كاظم الجابري أن الحدث يمسّ الأمة الإسلامية جمعاء، مشبّهاً دماء الشهيد برمزية دم الإمام الحسين عليه السلام في إحياء المبادئ وترسيخ النهج.
وأوضح أن المقارنة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتصل بفكرة تحويل الألم إلى طاقةٍ أخلاقية تحفظ المسار، لافتاً إلى أن مثل هذه الأحداث تعيد طرح أسئلة الهوية والموقف والمسؤولية، وأن الثورات لا تُقاس بطول عمر قادتها بل بعمق الأثر الذي يتركونه، مشيراً إلى أن هذه الدماء ستُعمّق مسار الصمود والمقاومة.
الشيخ الكيلاني: تداول الأيام سنةٌ لا تُوقف المسيرة
أما الشيخ عبد الأمير الكيلاني، فقد ركّز في كلمته على البعد الإيماني للابتلاء، مستشهداً بآياتٍ قرآنية تحضّ على الصبر والثبات، ومؤكداً أن تداول الأيام بين الناس سنّة إلهية لا تتبدل.
وبيّن أن رحيل القادة لا يعني انقطاع المسيرة، بل قد يشكّل لحظة تجديدٍ في الوعي والمسؤولية، مشيراً إلى أن الأمة الإسلامية أمةٌ ولود، لا تنضب فيها طاقات القيادة والعطاء. كما دعا إلى قراءة الحدث في سياقه الروحي، ولا سيما أنه وقع في شهر رمضان المبارك الذي ارتبط تاريخياً بمحطاتٍ مفصلية في الذاكرة الإسلامية، مؤكداً أن الأمة قادرة على تجاوز المحن وأن مسيرتها لا تتوقف برحيل القادة.
الشيخ فرج الله: وحدة الصف صمام الأمان في مواجهة التحديات
بدوره، شدّد الشيخ مجيد فرج الله على ضرورة توحيد الصفوف في مواجهة التحديات، معتبراً أن المرحلة الراهنة تستدعي التكاتف بين مختلف القوى الإسلامية بعيداً عن الانقسامات الداخلية.
وأشار إلى أن استهداف القيادات يهدف إلى إضعاف البنية المعنوية للأمة، داعياً إلى تحويل الحزن إلى مشروع تلاحمٍ عملي كالبنيان المرصوص الذي أشار إليه القرآن الكريم، مؤكداً أن وحدة الكلمة تمثل صمام الأمان أمام المخاطر المحدقة بالمنطقة.
السيد الياسري: رحيل العلماء ثلمة في جسد الأمة
وفي السياق ذاته، أكد السيد حسن الياسري أن الشهادة تمثل مقاماً رفيعاً في العقيدة الإسلامية، مستشهداً بآياتٍ قرآنية وأقوالٍ مأثورة حول مكانة العلماء ودورهم في الأمة.
وعدّ أن رحيل العلماء يشكّل ثلمةً في الإسلام يصعب سدّها، لما يمثّلونه من مرجعيةٍ فكرية وروحية، مضيفاً أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الأجيال اللاحقة في صون العلم والمبدأ، وأن الثبات على العهد هو الامتحان الحقيقي بعد رحيل الرموز.
دعوات جامعة للثبات وتغليب الحكمة
واختُتمت الفعالية بالدعاء للأمة الإسلامية بالوحدة والثبات، والتأكيد على استمرار التواصل بين المرجعيات الدينية والشعوب الإسلامية في مواجهة التحديات الراهنة، مع الدعوة إلى تغليب لغة الحكمة وضبط النفس في ظل التطورات المتسارعة.
وفي السياق ذاته، أُعلن عن إحياء مجالس التأبين في مدرسة الإمام الخالصي لمدة ثلاث ليالٍ متتالية، ابتداءً من مساء اليوم الأول من آذار/مارس 2026م، على أن تُختتم بعد غدٍ بالتزامن مع الذكرى السنوية لاستشهاد الإمام الخالصي الكبير، في أجواءٍ يطغى عليها الدعاء والاستذكار واستحضار سِيَر الرموز الدينية في مسيرة الأمة.








