الرئيسية / خطب الجمعة /

  • المرجع الخالصي في خطبة الجمعة يؤكد: تحمّل المسؤولية أساس نهضة المجتمع… والتغيير الحقيقي لا يكون إلا بوعي جماهيري مستقل

  • المرجع الخالصي في خطبة الجمعة يؤكد: تحمّل المسؤولية أساس نهضة المجتمع… والتغيير الحقيقي لا يكون إلا بوعي جماهيري مستقل
    2025/12/19

    المرجع الخالصي في خطبة الجمعة يؤكد: تحمّل المسؤولية أساس نهضة المجتمع… والتغيير الحقيقي لا يكون إلا بوعي جماهيري مستقل

     

    الكاظمية المقدسة – العراق | خطبة الجمعة

    ألقى سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) خطبتي صلاة الجمعة، في مدينة الكاظمية المقدسة، بتاريخ 28 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق 19 كانون الأول 2025م، متناولًا جملةً من القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية المفصلية، في تشخيصٍ عميق لأزمة الواقع، ودعوةٍ واضحة إلى تحمّل المسؤولية الفردية والجماعية، بوصفها المدخل الأساس لأي مشروع نهوضٍ حقيقي، بعيدًا عن السلبية والتبعية والرهان على الخارج.

    الخطبة الأولى: المسؤولية أمانة إلهية ونهجٌ حضاري

    استهلّ سماحته الخطبة الأولى بالحديث عن مفهوم المسؤولية بوصفه أمانةً إلهية كبرى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾،] الأحزاب: 72[، مبيّنًا أن المسؤولية الأولى للإنسان هي أمام الله سبحانه وتعالى، في كيفية تعامله مع الحياة، واستثماره لها لتكون مزرعةً للآخرة، لا مجالًا فيها للضياع أو التهرّب.

    ولفت المرجع الخالصي إلى أن من أبرز مظاهر التخلف في المجتمعات السلبية شيوع ثقافة عدم تحمّل المسؤولية، وإلقائها على الآخرين، سواء كانت الحكومة أو أي جهة أخرى، مع الاكتفاء بالانتقاد والتذمّر دون المشاركة في أي فعلٍ بنّاء. وأوضح أن هذا السلوك يظهر حتى في التفاصيل اليومية البسيطة، حيث يسعى البعض إلى التهرّب من واجباته الشرعية والاجتماعية، والتقليل من شأن المسؤوليات الكبرى، وكأنها غير معنية به.

    وأكد سماحته أن من الشعارات السلبية الشائعة في مثل هذه المجتمعات قول البعض: "إني شعليه؟"، أي إعلان التنصّل الكامل من المسؤولية، مع الاكتفاء بترديد ما يُقال بصيغة المجهول، دون علمٍ بالمصدر أو تحقّقٍ من الحقيقة، وهو ما يشكّل حالة خطيرة تُنتج مجتمعًا مشلول الإرادة

    وفي مقابل ذلك، شدّد المرجع الخالصي على أن المجتمع الناهض والواعي هو الذي يتأسس على المبدأ النبوي الواضح: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول»، مؤكدًا أن المسؤولية شاملة، تبدأ من الفرد، وتمتد إلى الأسرة؛ فربّ الأسرة مسؤول عن عائلته، والزوجة مسؤولة، والأبناء مسؤولون، وكلٌّ مطالب بالانتباه إلى دوره وموقعه.

    وتطرّق سماحته إلى المسؤولية العامة والمجتمعية، بوصفها مسؤولية الأمة بأسرها، في الجوانب الاقتصادية والأمنية والسياسية، ولا سيما الجانب السياسي، الذي لا يمكن تركه دون وعي ومشاركة. وبيّن أن الاكتفاء بالانتقاد والقلق والكلام الكثير، دون عملٍ فعلي، لا يغيّر شيئًا من الواقع، بل إن توصيف الحالة يجب أن يكون منطلقًا لعملٍ بنّاء يهدف إلى إنقاذ الإنسان لنفسه، ولمجتمعه، ولوطنه.

    الخطبة الثانية: تشخيص الأزمة والدعوة إلى تغيير جماهيري واعٍ

    وفي الخطبة الثانية، تناول المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي الأزمة العميقة التي يعاني منها العراق، مؤكدًا أن جذورها تعود إلى النظام الذي فُرض على البلاد بعد الاحتلال، وهو نظام يتحمّل المسؤولية في ذاته، سواء قبل الاحتلال أو بعده.

    وبيّن سماحته أن هذه الجهة كانت سببًا مباشرًا في معاناة الشعب العراقي، من خلال سياسات التجويع والحصار، ودعم الظلم، والسكوت عن الظالمين، والاستثمار في الاستبداد والديكتاتورية، بل ومساندة الطغاة، خدمةً لمصالح ضيّقة لقوى الهيمنة العالمية.

    وأوضح سماحته أن هذه السياسات هي التي أوصلت البلاد إلى الأزمة الراهنة، التي لا يعاني منها العراق وحده، بل تمتد آثارها إلى الأمة جمعاء، وإن كان العراق يشكّل الساحة الأهم في هذه المعمعة الخطيرة.

    ودعا سماحته أبناء العراق جميعًا، صغارًا وكبارًا، إلى وعيٍ جماعي منظّم، من خلال طرح هذه القضايا في ندوات ومؤتمرات عامة، يجتمع فيها العراقيون ويتهيّؤون لها بوعي ومسؤولية، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي لا يتحقق عبر الفرض الفوقي، ولا بالاعتماد على الأجنبي، ولا من خلال الانقلابات العسكرية التي أثبتت فشلها، بل عبر التغيير الجماهيري الواعي والمنظّم، القائم على التراكم الاجتماعي، والمرتكز على القواعد والثوابت الكبرى.

    وأشار سماحته إلى أن هذه الثوابت تتمثل في ثوابت إيمانية ووطنية، في مقدمتها: الوحدة، والاستقلال، والهوية، موضحًا أن الهوية تمثّل عنصرًا حاسمًا في البعد الإيماني والرسالي للأمة، ولا يمكن التفريط بها تحت أي ذريعة.

    كما حذّر المرجع الخالصي من محاولات إعادة التدخّلات الأجنبية إلى العراق، وكأن التجارب السابقة لم تكن كافية، مشيرًا إلى عودة بعض الأساليب القديمة، من إقطاعٍ سياسي، واعتمادٍ على الخارج، ومؤامرات داخلية، في ظل غياب دور الناس، وهو الغياب الذي يفتح المجال أمام المتدخّلين والمندسين والعملاء ليحلّوا محلّ الإرادة الشعبية.

    وأكد سماحته أن جوهر الأزمة يرتبط بغياب الناس عن ساحة المسؤولية، داعيًا إلى مشاركة عامة وفاعلة، بوصفها السبيل الوحيد لتحقيق الأمل المنشود، وبناء مستقبلٍ وطنيٍّ مستقل.

    وختم المرجع الخالصي خطبته بالتأكيد على أن الأزمة لا تنفصل عن الصراع الدائر في المنطقة مع قوى الهيمنة، ولا سيما في فلسطين ولبنان، حيث يحاول العدو فرض نفسه من جديد، داعيًا الأمة إلى موقفٍ واضح، قائم على الوحدة، والوعي بالرسالة التي شاء الله لها أن تحملها في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها.

    01

    02

    03

    04

    05

    06