المرجع الخالصي من الكاظمية: تعطيل صلاة الجمعة تحريف لسنن الإسلام… والمعركة مع المشروع الصهيوني تتجه نحو مواجهة عالمية تهدد البشرية
الكاظمية المقدسة – المكتب الإعلامي – غرة شهر شوال 1447هـ / 20 آذار 2026م
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، خلال خطبتي صلاة الجمعة في مدينة الكاظمية المقدسة، أن إحياء السنن الإسلامية، وفي مقدمتها صلاة الجمعة، يمثل ركيزة أساسية في حفظ هوية الأمة وبناء وعيها، محذرًا من محاولات تعطيلها أو تفريغها من مضمونها. كما شدد على أن الأمة الإسلامية تخوض اليوم معركة مصيرية كبرى في مواجهة المشروع الصهيوني والاستكبار العالمي، داعيًا إلى الثبات ووحدة الموقف، وتحويل العبادات إلى أدوات وعي وجهاد ومسؤولية في معركة الأمة المصيرية.
الخطبة الأولى: إحياء صلاة الجمعة واجب شرعي… وتعطيلها انحراف خطير عن منهج الإسلام
استهل سماحته خطبته بالحمد والثناء والصلاة على النبي وآله، مؤكدًا تقوى الله ولزوم أوامره، ثم تناول مسألة التقاء العيد مع يوم الجمعة، مبينًا أن من حضر صلاة العيد يُرخَّص له في عدم حضور الجمعة، أما من فاتته صلاة العيد فهو ملزم بأداء الجمعة، فيما تبقى إقامة الجمعة واجبًا لا يجوز تعطيله من قبل الإمام.
وأشار إلى أن هذه الأحكام تأتي ضمن منظومة السنن الإسلامية التي يجب إحياؤها، موضحًا أن السنن ليست مجرد أقوال، بل تشمل الأفعال والتطبيقات التي جسدها النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وأن مهمة العلماء هي الحفاظ على هذه السنن وإزالة ما علق بها من تحريف أو إهمال.
وتوقف سماحته عند المكانة العظيمة لصلاة الجمعة، لافتًا إلى أن النصوص الواردة فيها بلغت مئات الأحاديث، وهو ما يعكس أهميتها البالغة، إلا أنها تعرضت عبر التاريخ للإهمال والتعطيل، سواء عبر فتاوى منعت إقامتها بدعوى اختصاصها بالإمام المعصوم، أو من خلال تفريغها من مضمونها الحقيقي.
وبيّن أن هذا التعطيل أدى إلى نشوء أجيال لا تعرف صلاة الجمعة ولا تدرك مكانتها، مشيرًا إلى الدور الذي اضطلع به العلماء المصلحون، ومنهم الإمام الراحل الشيخ محمد الخالصي (رضوان الله عليه)، في إعادة إحياء هذه الشعيرة عبر جهود علمية وعملية كان لها أثر واسع في العراق وخارجه.
وأوضح أن من أخطر مظاهر إضعاف الجمعة تحويلها إلى منبر تابع للسلطة، حيث يُسخَّر الخطيب لإرضاء الحاكم بدل تبليغ شرع الله، مؤكدًا أن الجمعة يجب أن تبقى منبرًا حرًّا يعبّر عن الدين وقضايا الأمة.
كما شدد على أن الخطبة الأولى من الجمعة مخصصة لتعليم الأحكام وتبيين السنن وإحياء الفقه في نفوس الناس، مبينًا أن حضور الجمعة كان له أثر كبير في تثقيف عامة الناس، حتى غير المتخصصين، وجعلهم قادرين على فهم الدين ونقله.
وأكد أن صلاة الجمعة تمثل “الحلقة الوسطى” بين العبادات الكبرى، فهي بين الصلاة اليومية والحج، وتشكل ركيزة أساسية في بناء المجتمع الإسلامي، داعيًا إلى ترسيخها في وعي الأجيال الجديدة، ولذلك سميت الجمعة بـ"حج المساكين".
وفي هذا الإطار، انتقل سماحته إلى بيان الدور المعاصر لهذه الشعيرة، مشيرًا إلى دورها التاريخي في ساحات المواجهة، حيث كانت تقام تحت القصف وفي ميادين القتال، وكانت منبرًا لمواجهة الاستعمار والانحراف. وأكد استمرار هذا الدور اليوم، خاصة منذ معركة “طوفان الأقصى”، حيث تحولت الوقفات التي تعقب صلاة الجمعة إلى ساحات دعم للمقاومة ومساندة للمستضعفين.
وفي سياق حديثه عن العبادات، شدد على ضرورة ربطها بواقع الأمة، مؤكدًا أن أداء العبادات بمعزل عن معاناة المسلمين يفقدها جوهرها، داعيًا إلى أن يكون الحج منبرًا لنصرة قضايا الأمة، وأن تُقدَّم الأولويات، بحيث يُكتفى بالحج الواجب وتُوجَّه الإمكانات لدعم المجاهدين والمحتاجين.
وختم الخطبة بالتأكيد على ضرورة استمرار الوقفات بعد صلاة الجمعة، ولو بكلمة، لإبقاء الوعي حيًّا بحقيقة المعركة، داعيًا إلى الثبات على نهج الحق ونصرة الإسلام.
الخطبة الثانية: الاستقامة والثبات أساس النصر… ورفض الذل شرط مواجهة التحديات
في الخطبة الثانية، جدد سماحته الدعوة إلى تقوى الله والاستقامة على منهجه، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(هود:112)، مؤكدًا أن الثبات على الحق هو الأساس الذي تُبنى عليه نتائج المواجهة، وأن النصر بيد الله تعالى.
وبيّن أن العمل القليل الدائم على النهج الصحيح أفضل من الأعمال الكثيرة المتقطعة، محذرًا من مظاهر الانقطاع، كإقامة الشعائر بشكل موسمي دون الاستمرار عليها، أو إحياء المناسبات دون ترجمتها إلى مواقف عملية.
وأوضح أن الخطبة الثانية تتناول قضايا الأمة السياسية والأحداث الجارية، محذرًا من تجاهل ما يجري في فلسطين ولبنان واليمن وإيران، معتبرًا أن الانشغال بقضايا هامشية في ظل هذه التحديات يمثل خيانة لواجب الدين.
وأكد أن الحرب الدائرة اليوم لم تشعلها قوى المقاومة، بل فرضها المشروع الصهيوني والاستكبار العالمي، مشيرًا إلى ازدواجية المعايير الدولية التي تصف المجاهدين بالإرهاب، بينما تتغاضى عن جرائم الاحتلال.
كما حذر من تصاعد هذه الحرب نحو مستوى عالمي قد يفضي إلى استخدام الأسلحة النووية، بما يهدد البشرية جمعاء، مؤكدًا أن المواجهة مع هذا المشروع تمثل معركة وجودية.
واستعرض نماذج من صمود شعوب المنطقة، من فلسطين إلى لبنان وإيران، مشيدًا بتضحيات المجاهدين وثباتهم، ومؤكدًا أن هذه التضحيات تكشف زيف الحملات الإعلامية التي حاولت تشويه صورة المقاومة.
وأكد أن من واجب الأمة توعية الناس بحقيقة الصراع القائم، وعدم الانخداع بدعوات “النأي بالنفس” التي تعني التخلي عن المسؤولية وترك الأمة تواجه مصيرها، مشيرًا إلى أن الواقع أثبت أن من يقبل بالذل يُفرض عليه المزيد من الهيمنة.
وتطرق إلى الواقع السياسي في العراق، منتقدًا حالة الفوضى والتعطيل التي تعقب الانتخابات، معتبرًا أن ذلك نتيجة الخضوع للإرادات الخارجية، ومؤكدًا أن من ينحني للظلم يفتح الباب أمام استمرار السيطرة عليه.
وشدد على أن طريق الإسلام هو طريق الجهاد والتضحية، وأن ما قدمته الأمة من شهداء إنما هو في سبيل رفض الاستسلام، مؤكدًا أن الاستسلام يعني التحول إلى أدوات بيد الظالمين.
واستعرض نماذج من السيرة النبوية، ومنها موقف الأنصار في رفض تقديم التنازلات أثناء الحصار، مبينًا أن الثبات على الحق هو الذي يصنع النصر، لا المساومات.
وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب استمرار الدعم للمجاهدين والمستضعفين بكل الوسائل الممكنة، ولو بالكلمة والدعاء والعطاء، مع الإيمان بأن هذه المعركة، رغم ما فيها من آلام وتضحيات، ستنتهي – بإذن الله – إلى انتصار الحق.
وختم بالدعاء لنصرة الإسلام والمسلمين، والثبات على طريق الحق، سائلًا الله أن يجعل الأمة من المنتصرين بدينه، وأن يحفظها من الضلال والانحراف.


