خطيب مدرسة الإمام الخالصي: القيادة الواعية المنتمية للأمة شرط النجاة… وسيرة الإمام الرضا تكشف معايير التعامل مع السلطة الفاسدة
الكاظمية المقدسة – 13 ذو القعدة 1447هـ / 1 أيار 2026م
أكد خطيب مدرسة الإمام الخالصي في مدينة الكاظمية المقدسة، الشيخ الدكتور علي عبدالعزيز الجبوري، أن جوهر الإصلاح في الأمة يرتكز على وجود قيادةٍ واعيةٍ منتميةٍ إلى واقع الناس، قادرةٍ على فهم احتياجاتهم والتخاطب معهم بلغةٍ واضحة، مستلهمًا ذلك من المنهج القرآني وسيرة النبي الأكرم وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيما سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
وبيّن أن التجارب التاريخية، خصوصًا في مرحلة ولاية العهد للإمام الرضا، تقدم نموذجًا عمليًا لكيفية التعامل مع السلطة حين تنحرف عن مسارها، مؤكدًا ضرورة الثبات على القيم، ورفض الانخراط في مشاريع الفساد، مع ربط ذلك بواقع العراق والمنطقة وما يشهده من أزماتٍ سياسيةٍ وتحدياتٍ إقليمية متشابكة.
الخطبة الأولى: التقوى ووحدة الأمة ومنهج القيادة في الإسلام
استهلّ الشيخ الجبوري خطبته بالحمد والثناء على الله تعالى، مؤكدًا نعمة الإسلام وضرورة التمسك بالتقوى، ومحاسبة النفس قبل يوم الحساب، حيث يُعرض الإنسان مع عمله بين يدي الله تعالى، بين فلاحٍ أو خسران.
وشدد على ضرورة الاعتصام بحبل الله ووحدة الصف، محذرًا من التفرّق، ومبيّنًا أن خطبة الجمعة ليست خطابًا شكليًا، بل رسالة إصلاحٍ وتذكيرٍ تمتد من الخطيب إلى عموم المجتمع.
وتناول أهمية يوم الجمعة في الإسلام بوصفه محطةً إيمانيةً جامعة، مؤكدًا ما له من مكانةٍ في القرآن الكريم وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى، مؤكدًا أن هذه الشعيرة تمثل محطةً إيمانيةً وتربويةً لإصلاح الفرد والمجتمع.
وفي محورٍ فكريٍّ، عرض مفهوم القيادة في الإسلام، موضحًا أن القائد الحقيقي هو الذي يعيش مع أمته، يفهم لغتها، ويشخّص مشكلاتها، ويضع حلولًا عمليةً لإخراجها من الأزمات، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.
وبيّن أن نجاح القيادة مرتبطٌ باندماجها مع المجتمع، لا بانعزالها عنه، محذرًا من القيادات التي تبتعد عن واقع الناس، مما يفتح الباب أمام مشاريع بديلة تُدخل الأمة في حالةٍ من التشتت والضياع.
كما عرض الشيخ الجبوري أنواع الخطاب الإلهي، من القرآن الكريم، والحديث القدسي، وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مبيّنًا تكاملها في بناء المنهج الإسلامي، سواء في التشريع أو التطبيق العملي في حياة المسلمين.
وأكد أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تمثل النموذج الأسمى للقيادة التي تبشّر بالمستقبل وتبني الأمل، رغم التحديات، كما حصل في مواقف مثل معركة الخندق، حيث ثبت المؤمنون أمام التشكيك، إيمانًا بصدق وعد الله ورسوله.
الخطبة الثانية: الإمام الرضا معيارًا لشرعية الحكم وقراءة الواقع السياسي المعاصر
انتقل الشيخ الجبوري في خطبته الثانية إلى استلهام الدروس من سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، مؤكدًا أن هذه السيرة لا تمثل حدثًا تاريخيًا فحسب، بل معيارًا عمليًا لقياس شرعية الأنظمة السياسية، وكشف انحرافها عن تحقيق العدالة.
وأوضح أن موقف الإمام الرضا (عليه السلام) من السلطة، ولا سيما في قضية ولاية العهد، لم يكن موقفًا ظرفيًا، بل انطلق من رؤيةٍ مبدئيةٍ عميقةٍ تقوم على رفض شرعنة الحكم الذي لا يحقق العدالة ولا يستجيب لتطلعات الأمة، مبينًا أن قبوله المشروط للمنصب جاء لكشف واقع السلطة لا لتأييدها.
وفي هذا السياق، ربط سماحته بين تلك السيرة وما يجري اليوم في العراق، مشيرًا إلى أن العملية السياسية، بما أفرزته من نتائجٍ انتخابية، لم تتمكن من تحقيق تطلعات الشعب، واصفًا بعض مجرياتها بأنها أقرب إلى “المسرحية” التي لا تعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين.
وأكد أن معيار المشروعية لا يُقاس بالشعارات ولا بالإجراءات الشكلية، بل بمدى القدرة على تحقيق وحدة البلاد، وصيانة استقلاله، ومكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، مشددًا على أن هذه الأهداف ما تزال بعيدةً عن التحقق بالصورة المطلوبة.
كما أشار إلى استمرار حالة القلق الشعبي، في ظل تصاعد التساؤلات حول وجود صفقاتٍ غير معلنة، وتفاقم مظاهر الفساد، الأمر الذي يعمّق فجوة الثقة بين الشعب والطبقة السياسية، ويزيد من شعور المواطنين بالغبن والضيم.
وفي محورٍ إقليمي، تناول الشيخ الجبوري تطورات الأوضاع في المنطقة، مشيرًا إلى ما يجري في غزة وفلسطين ولبنان واليمن، وربط ذلك بواقع العراق بوصفه بلدًا ما زال يعاني من أشكالٍ متعددةٍ من الهيمنة والاحتلال، وما يرافق ذلك من تحديات تمس سيادته واستقلال قراره.
وأكد أن هذه الأحداث لا تمثل صراعاتٍ متفرقة، بل هي معركةٌ شاملةٌ تتقاطع فيها الجبهات، لافتًا إلى أن الحصار المفروض على الجمهورية الإسلامية في إيران يأتي ضمن هذا السياق العام من الاستهداف الواسع للأمة.
وشدد على أن المواجهة الراهنة تتجاوز بعدها السياسي والعسكري، لتحمل بُعدًا إنسانيًا شاملًا، هدفه النهائي تحرير الإنسان من سيطرة الطاغوت، ورفض هيمنة قوى الظلم، وإقامة منظومة قائمة على العدالة والكرامة الإنسانية.
وختم الشيخ الجبوري بالدعوة إلى موقفٍ واعٍ ومسؤول، يستحضر هذه المعايير في قراءة الواقع، ويواكب حجم التحديات، مع التمسك بمنهج أهل البيت (عليهم السلام) في الإصلاح والثبات على الحق، سائلًا الله أن يعمّ الأمن والاستقرار في العراق وسائر بلاد المسلمين.




