في أول خطبة بعد رحيل الإمام الخالصي.. المرجع الخالصي يجدد العهد بمواصلة مشروع الدعوة والإصلاح والنهضة
الكاظمية المقدسة – 6 جمادى الآخرة 1447هـ / 28 تشرين الثاني 2025م
في خطبتي الجمعة المباركة التي ألقاها المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) في مدرسة الامام الخالصي، في الكاظمية المقدسة، تناول سماحته محاور عقائدية وفكرية عميقة، مستندًا إلى إرث الأنبياء والرسل وما حمله العلماء والمصلحون، وصولاً إلى نهج الإمام الراحل المرجع الديني الشيخ محمد مهدي الخالصي (طيّب الله ثراه).
الخطبة الأولى: رسالة الأنبياء والتوحيد ومهمة الأمة
افتتح سماحته (دام ظله) خطبته بالتأكيد على الأسس الكبرى التي جاءت بها دعوات الأنبياء، والتي سار عليها المصلحون والعلماء العاملون، ومنهم الفقيد الراحل المرجع الديني الشيخ محمد مهدي الخالصي (طيّب الله ثراه) واخوانه أبناء مدرسة الإمام الخالصي.
وبيّن سماحته أن هذه الرسالة تتضمن جانبًا عقائديًا يقوم على التوحيد والعقيدة الراسخة، وجانبًا آخر روحياً يقوم على الارتباط بين العباد وربهم الواحد الأحد عبر الرسالة السماوية والأوصياء والأولياء، في استمرارية لدليل الهداية الإلهية، مستشهدًا بقوله تعالى: (.. إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..)، مؤكّدًا أن الأرض لا تخلو من الحجة والخليفة الذي يقود الناس لعبادة الله وتحقيق العدل والمساواة والإخاء الإنساني في ظل الإيمان.
وأشار سماحته إلى أن الحياة الدنيا بطبيعتها تنتهي بالموت، لكنه ليس فناءً أو انقطاعًا، بل بوابة لحياة جديدة خالدة، فالموت محطة انتقال وتجدد لا انقطاع وفناء.
وذكّر سماحته بأن هذه المبادئ هي ثوابت رسالية يجب أن تبقى راسخة في مدرسة الإمام الخالصي، وأن تُستحضر خصوصاً في اللحظات الاستثنائية، ومنها رحيل الفقيد الكبير المرجع الديني الشيخ محمد مهدي الخالصي (رحمه الله)، معتبراً رحيله: “هزة كبيرة لنا جميعًا، وجزءًا من إرادة الله التي نتلقاها بالصبر والرضا.”
وأوضح سماحته أن فقد الشيخ الراحل يؤكد الواجب على الأحياء في مواصلة مسيرة الدعوة إلى الله، مستشهداً بقوله تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33). وقوله تعالى: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الانعام:153. مؤكدًا أن الطريق واحد والسبيل واحد: سبيل الإسلام.
الخطبة الثانية: سيرة الفقيد الراحل الشيخ محمد مهدي الخالصي
تطرّق سماحته (دام ظله) في الخطبة الثانية إلى مسيرة الفقيد الراحل، وربط الأحداث المعاصرة بسيرة الشيخ الراحل المرجع الديني المجاهد الشيخ محمد مهدي الخالصي (رضوان الله عليه)، مستعرضًا محطاتٍ تاريخية حافلة بالنضال والصبر والثبات على العقيدة والمواقف الشجاعة في لحظات مصيرية شكلت محطة عظيمة في مسيرته الجهادية.
نشأة في المنفى
أشار سماحته إلى أن الشيخ الراحل ولد في المنفى في جبال إيران، حيث نُفي والده الإمام الشيخ محمد الخالصي بأمر الإنكليز، وسُجن تحت الرقابة والقيود، والذي قال – أي الإمام الخالصي الأب- : ” أنا لست سجينًا عند العملاء في العراق وإيران، بل سجين عند الإنجليز.”
وولد الشيخ الراحل في تلك الظروف القاسية التي امتزجت بالجوع والبرد والحصار، وقد مات بعض إخوته هناك بسبب المرض ونقص الدواء، بينما شاء الله أن يبقى ويواجه منذ طفولته الأخطار في تلك المناطق الصحراوية والثلجية. كما كان يرافق والده الإمام الخالصي في مدينة طبس في مهمة شرعية تتعلق بأوقاف الإمام الرضا (ع).
مراحل الدراسة والنشاط الفكري
عاد فقيدنا الراحل إلى العراق في سن العاشرة، وأكمل دراسته الأكاديمية في بغداد والكاظمية حتى تخرج من كلية الحقوق، وتلقى العلوم الدينية في مدرسة الإمام الخالصي على يد والده ةالعلماء المتواجدين في هذه المدرسة.
وتدرج مبكراً في حلقات الحوار مع المفكرين والحركات الإسلامية على اختلاف أطيافها، حتى صار حلقة الوصل بين العلماء والحركات الإسلامية السنية والشيعية.
وكان يدعو منذ شبابه إلى الحركة الإسلامية الواحدة التي تتجاوز الطائفية والمشاريع الضيقة، وحمل المشروع الوطني والمشروع الإسلامي الأممي.
مواقف جهادية ومقاومة الاستبداد
وأكد سماحته أن الفقيد الراحل كان حاضرًا في مواقع الجهاد والمقاومة، وعُرف بمواقفه الرافضة للاستبداد والحروب الداخلية، ومن مواقفه المشهودة رفضه قرار القتال في شمال العراق، فلاحقته السلطات وأصدرت بحقه حكم الإعدام، ليبقى مطاردًا سبعة أشهر في قرى ديالى وبغداد.
كما كان من أوائل الداعمين لقضية فلسطين والمقاومة الفلسطينية، واستقبل قادتها قبل الإعلان الرسمي عن التنظيمات الإسلامية في العراق.
وتناول سماحته دور الشيخ الراحل في مواجهة المخطط الساعي لعودة حزب البعث والتيارات المنحرفة، إذ كان له الدور الأكبر في إفشالها، بينما لم يدرك كثيرون خطورة ذلك المخطط.
تبني المشروع الإسلامي والمواجهة
وقال سماحته: “إن الشيخ الراحل تبنّى مشروع المواجهة بشكل تفصيلي، وكان يحثّ العلماء ويكلّمهم وينبّههم قائلاً: افعلوا الأمر الفلاني ليُربك هذا النظام الجديد قبل أن يتسلّط على رقاب الناس.” وبقي على هذا النهج طويلاً.
منبر الجمعة والمهاجر
وأوضح سماحته أن الشيخ الراحل تولّى منبر صلاة الجمعة منذ عام 1963م وحتى وفاته، حتى اضطر لمغادرة العراق عام 1980. وكان من لطف الله وعنايته أنه نجا من حادث حال دون دخوله العراق في إحدى محاولاته للعودة، وبقي في المهاجر ثابتًا على النهج ذاته: “يدعو إلى وحدة الأمة، وإنقاذ الشعب والوطن، والعدالة، وكل ذلك تحت راية الإسلام العظيم والثبات عليها.”
مسيرة 88 عاماً من الجهاد
أكّد سماحته أن حياة الفقيد الراحل امتدت 88 عامًا شهد فيها محطات من الاستعمار البريطاني، والاحتلال الأمريكي، ومقارعة القوى الظالمة والمنحرفة.
وقال سماحته: “نحتسبه عند الله شاهدًا وشهيدًا يحمل رسالة الإسلام وهمّ الأمة كافة.”
أكد سماحته (دام ظله) أن مشروع الإصلاح الإسلامي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي مستمر، مستلهمًا من سيرة الفقيد الراحل نهج الانبعاث والنهضة والعقيدة، وأن الأمة قادرة على مواصلة الطريق نحو العدل والوحدة والرسالة الخالدة للإسلام العظيم.
وشدد سماحته أن الواجب اليوم هو الاستمرار على هذا العهد، وأن الرسالة مستمرة لكل مواطن في العراق وكل مسلم في العالم، من أجل مشروع المواطنة المؤمنة الصالحة، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) الانبياء:105-106.وشدد سماحته أن الواجب اليوم هو الاستمرار على هذا العهد، وأن الرسالة مستمرة لكل مواطن في العراق وكل مسلم في العالم، من أجل مشروع المواطنة المؤمنة الصالحة، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) الانبياء:105-106.






