في خطبة حاسمة.. المرجع الخالصي يدعو إلى مشروع وطني مستقل ويحذّر من التلوّن السياسي والطائفي
التاريخ: الجمعة، 21 جمادى الآخرة 1447هـ / 12 كانون الأول 2025م
ألقى المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) خطبتي الجمعة في مدينة الكاظمية المقدسة، حيث شدد على أهمية الثبات على المبادئ في مواجهة التقلبات والانتهازية السياسية، محذرًا من التلوّن السياسي واستغلال الطائفة والقومية لمصالح ضيقة، ومؤكدًا أن الخلاص لا يكون إلا بمشروع وطني مستقل بعيد عن الهيمنة الخارجية.
الخطبة الأولى: الثبات على المبادئ في زمن التلوّن السياسي
في مستهل الخطبة الاولى، شدّد سماحته على أن الرجال المخلصين، والأكفاء، وأصحاب المبادئ، لا يتغيرون بتغيّر الأنظمة. منتقدًا ظاهرة التلوّن السياسي والانتهازية التي باتت سمة للمتصدرين للمشهد السياسي. قائلاً: "بعضهم يتلونون تلون الحرباء؛ إن كانت السلطة معادية للدين، صفقوا لها؛ ويأكلون من خيرات الشعب المنهوبة، دون أدنى مبالاة أو اهتمام، وإن سقطت، ادعوا المظلومية متقمّصين دور الضحايا، بينما الحقيقة أنهم كانوا أدوات هذا النظام في حربه ضد الشيعة وضد الشعب العراقي عامة."
شهادات واقعية تكشف التناقض
وأشار سماحته إلى شهادات واقعية عن أولئك الذين آذوا المتدينين سابقًا باسم النظام شيعة وسنة على حد سواء، ثم صاروا اليوم يتحدثون عن حقوقهم، في حين ظل المخلصون ثابتين على الموقف المبدئي رغم الاستبداد.
منعطفات خطيرة تتطلب الثبات
وصف سماحته الوضع الحالي للأمة بأنه منعطف خطير، حيث تتغير مواقف الناس سريعًا لأجل مكاسب مؤقتة، وتساءل: "ما الذي يربحه هؤلاء سوى فتات لا يدوم؟".
وصف سماحته الوضع الحالي للأمة بأنه منعطف خطير يواجه فيه الناس تقلبات سياسية حادّة، وتحولات في المواقف بين عشية وضحاها، لا لشيء سوى السعي وراء المغانم والمكاسب السياسية. ووجّه سؤالًا استنكاريًا قائلاً: "ما الذي يربحه المتلونون سوى فتات موائد الظالمين التي لا تدوم؟ ثم تنقلب عليهم المعادلة، ويعودوا إلى وضعهم الخانع الأول."
مشدداً على أن المؤمن الحق لا يتزعزع في مواجهة المتغيرات السياسية أو الإجتماعية، حتى في أصعب الظروف، مستشهدًا بالقرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الحجرات:15؛ مشيراً إلى النموذج النبوي في الثبات: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ آل عمران:146.
التاريخ السياسي للعراق: دروس في الثبات
واستعرض سماحته بإيجاز المراحل السياسية التي مر بها العراق، من العهد الملكي إلى الجمهوريات المتعاقبة، ثم إلى الانقلابات المتتالية، مؤكدًا أن المخلصين ثبتوا في مواقفهم رغم تغيّر الأنظمة، بينما المتلوّنون تقلبوا وفق مصالحهم، داعياً إلى العودة لنهج الثبات والجهاد والدفاع عن الحق، والابتعاد عن الانتهازية.
الخطبة الثانية: العراق بين مشاريع الهيمنة والدعوة إلى الاستقلال الوطني
في خطبته الثانية، قدّم الشيخ الخالصي تحليلًا سياسيًا عميقًا للواقع العراقي، منتقدًا آليات المشاركة السياسية التي قامت على أساس المحاصصة والطائفية، ومحذّرًا من التدخلات الخارجية التي ترهن مستقبل العراق.
أزمة المشاركة السياسية: الطائفة بوصفها غطاءً للمصالح
بدأ سماحته الخطبة بسؤال محوري: "ماذا يجري الآن؟ وما هو المطلوب؟ وكيف يتم تصحيح الأوضاع؟"
وأوضح أن شعار: "شاركوا في العملية السياسية وخذوا حصتكم" الذي تبنّاه الكثيرون، تحوّل من مجرد تكتيك سياسي إلى قناعة راسخة، حيث باتت "الحصة" تُقدّم وكأنها حق للطائفة، لا للوطن.
وشدّد على أن هذا المنطق ليس دفاعًا عن حقوق الشيعة أو السنة أو الكرد، بل هو دفاع عن مصالح ضيقة لأحزاب وأفراد، قائلاً: "لا الشيعة دافعوا عن مذهبهم، ولا السنة كذلك، ولا حتى الكرد عن قوميتهم. وإنما كانت الغاية الدفاع عن مصالح ضيقة لجهات أو أحزاب أو أفراد، تُستغل باسم الطائفة، وتُمرر مشاريعهم من خلالها."
ووصف هذه الفئة المنتفعة بالقول: "يقضمون مال الله قضم الإبل نبتة الربيع."
القومية العربية بين الشعارات والخذلان
انتقد المرجع الخالصي حقبة ما سُمّي بالقومية العربية التي رفعت في زمن النظام السابق، والتي عدّها خدعة سياسية وأداة للتضليل والهيمنة، قائلاً: "ما الذي حصله العرب من أولئك المدعين الكاذبين؟ حصلوا التشتت، والفرقة، والهزائم، والذل، حتى أصبحت كرامة الحكام تُهان على أيدي أراذل خلق الله."
واستشهد بالآية الكريمة التي تلخّص مفهوم العزة الحقيقي: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ...) فاطر:10.
وتحدث عن الوعود الكاذبة التي خُدعت بها الأمة، من "ماكماهون" إلى "بلفور" إلى "سايكس بيكو"، قائلاً إن النتيجة كانت المزيد من التشرد والانقسام، وهي ذات المآسي التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.
التهييج الطائفي: تهديد للهوية والوطن
حذّر سماحته من التهييج الطائفي الذي استخدمه البعض لتبرير القتل والنهب باسم الطائفة، سواء عند بعض الشيعة أو السنة، وللحصول على المغانم باسم الطائفة، ولو على حساب دماء الناس وأمنهم وعقيدتهم، واصفًا ذلك بأنه من أخطر ما تعانيه الأمة.
وفي المقابل، تناول أيضًا تهييج الخطاب السني في المراحل الأخيرة، والذي عبّر عنه البعض بشعارات من قبيل: "سنستعيد بغداد!"، و"سوف نأخذ بغداد!"
وشدّد على أن هذه دعوات فتنة طائفية، كما كانت الشعارات السابقة التي رفعت باسم الشيعة فتنة هي الأخرى. وعبّر عن شكره لوعي عامة الناس الذين رفضوا الانجرار خلفها.
كما أكد أن من يظن أن بغداد اليوم محكومة من طائفة أو أخرى واهم، إذ هي عمليًا تحت سلطة السفارات الأجنبية، وعلى رأسها الأمريكية والبريطانية، وقد تشاركهم بعض السفارات الأخرى في الظل، ومن الزوايا الضعيفة.
الطريق إلى الخلاص: مشروع وطني مستقل
قال المرجع الخالصي إن الخروج من هذا الوضع لا يتم إلا بمشروع وطني عراقي مستقل، غير خاضع للهيمنة الأجنبية أو لسطوة السفارات، بل قائم على إرادة شعب العراق، ودعا إلى تجاوز عقلية الطائفة والمذهب نحو هوية وطنية موحّدة.
موقف الجيران: بين الدعم والتدخل
كما تحدث سماحته عن ضرورة ضبط العلاقة مع الدول المجاورة، قائلاً: "لا يجوز لأي دولة اياً كانت أن تتدخل في شؤون العراق إلا بما فيه مصلحة البلد، وبإذن أبنائه."
وبيّن أن التدخل المسموح لا يكون مباشرًا، بل عبر تعاون متبادل قائم على الاحترام، والجذور التاريخية، والدين المشترك، واللغة الواحدة، وروح الأخوّة الإسلامية والإنسانية.
وحذّر من تدخل بعض الدول القائمة على الأهواء والمصالح الضيقة مثل تركيا، إيران، السعودية، الكويت، والأردن إذا كان على حساب المصلحة العراقية، معتبرًا ذلك سببًا في زعزعة الاستقرار.
خاتمة الخطبتين: وحدة وطنية وعقلانية منفتحة
في ختام خطبتيه، دعا سماحته إلى ترسيخ مفهوم الوطنية العراقية المنفتحة على الجوار العربي والإسلامي، بعيدًا عن الانفعالات والشتائم، داعيًا إلى تجاوز الجراحات التي صنعتها المخططات الأجنبية والأنظمة المستبدة.
وشدّد على أهمية مشروع جامع يوحّد العراقيين ويواجه التحديات التي تعترض طريقهم، مستشهدًا بالآية الكريمة: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف:21.


