مدرسة الإمام الخالصي تحتضن ندوةً فكريةً حول الولاية والإمامة في فكر الإمام الشيخ محمد الخالصي
الدكتور إسلام الدباغ: الإمامة والولاية ركنٌ أصيلٌ في فكر الإمام الشيخ محمد الخالصي ومشروعه
الكاظمية المقدسة – الأربعاء 17 ذو الحجة 1447هـ الموافق لـ 3 حزيران 2026م
استضافت مدرسة الإمام الخالصي في الكاظمية المقدسة، يوم الأربعاء، محاضرةً فكريةً ألقاها الدكتور إسلام هاشم الدباغ، مدير مركز وثائق الإمام الخالصي في طهران، بعنوان: «الولاية في فكر الإمام الشيخ محمد الخالصي»، تناول فيها مفهوم الإمامة والولاية في النتاج الفكري للإمام الشيخ محمد الخالصي، مستعرضاً نصوصاً من مؤلفاته ورسائله ومذكراته التي تؤكد مركزية هذا المفهوم في مشروعه الديني والإصلاحي.
واستُهلّت الندوة بتلاوة آيٍ من الذكر الحكيم للقارئ الشاب يونس الدباغ، ثم بدأ الدكتور الدباغ محاضرته بالحديث عن مناسبة عيد الغدير الأغر، مبيناً أن البحث يهدف إلى إيضاح مكانة الإمامة والولاية في فكر الإمام الخالصي، ولا سيما في ظل ما تعرّضت له مدرسته من حملات تشويه وسوء فهم رافقت بعض مواقفه وفتاواه، مؤكداً أن دراسة تراثه العلمي تكشف بوضوح عمق ارتباطه بعقيدة الإمامة واعتبارها ركناً أساسياً من أركان المذهب.
وأوضح أن الإمام الخالصي ضمّن رسالتيه العمليتين «إحياء الشريعة في مذهب الشيعة» و«الإسلام سبيل السعادة والسلام» مباحث عقائدية تتعلق بأصول الدين، خلافاً لما جرى عليه كثير من الفقهاء في الرسائل العملية، انطلاقاً من إيمانه بضرورة ترسيخ المعرفة العقائدية القائمة على الدليل والاجتهاد، ورفض التقليد في أصول الدين.
وأشار إلى أن الإمام الخالصي عدّ الإمامة من أصول المذهب، وعرّفها بأنها رئاسة عامة وسلطنة لحفظ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بما يشمل حفظ الشريعة من التحريف، وإقامة الأحكام، وإدارة شؤون الأمة، مؤكداً أن وظيفة الإمام تمثل امتداداً لوظيفة النبي في حفظ الدين وقيادة المجتمع.
وبيّن المحاضر أن الإمام الخالصي استند في تأليفاته بإثبات الإمامة إلى الأدلة العقلية والنقلية معاً، فعدّد الشروط الواجب توفرها في الإمام، وفي مقدمتها العلم والعصمة والكمال الخُلقي والخَلقي والحفظ من السهو والخطأ، معتبراً أن هذه الصفات لا يمكن للأمة أن تدركها أو تحدد صاحبها بالاختيار البشري، الأمر الذي يقتضي النص الإلهي على الإمام وتعيينه من قبل الله تعالى وإبلاغها على لسان رسوله.
ولفت إلى أن الإمام الخالصي استدل بعدد من الآيات القرآنية لإثبات هذا المعنى، مؤكداً أن وراثة الكتاب والهداية الإلهية لا تكون إلا للمصطفين من عباد الله، وأن الإمامة امتداد للنبوة في جانب حفظ الرسالة وصيانة الدين.
وفي سياق عرضه للأدلة النقلية، أوضح الدكتور الدباغ أن الإمام الخالصي استند إلى آيات المباهلة والولاية وغيرها من النصوص القرآنية، فضلاً عن الأحاديث النبوية المتواترة، وفي مقدمتها حديث الغدير وحديث المنزلة ومؤاخاة النبي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحديث الدار، وغيرها من النصوص التي رأى أنها تؤكد أحقية الإمام علي (عليه السلام) بالإمامة والولاية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
كما تناول المحاضر ردود الإمام الخالصي على شبهة الإجماع في مسألة الخلافة، مبيناً أنه رفض الاستناد إلى دعوى الإجماع، وعدّها غير متحققة تاريخياً، مؤكداً أن النصوص الشرعية المعتبرة هي المرجع الأساس في هذا الباب.
وتطرّق الدكتور الدباغ إلى رؤية الإمام الخالصي للأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، موضحاً أنه استدل على إمامتهم بقاعدة الوصية المتصلة من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فضلاً عن الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن.
كما استعرض جانباً من استدلالات الإمام الخالصي الواردة في كتبه المختلفة، ومنها استشهاده بما ورد في التوراة والإنجيل من بشارات بخاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، معتبراً أن هذه النصوص تمثل شاهداً إضافياً على امتداد مشروع الهداية الإلهية بعد ختم النبوة.
وأشار إلى أن الإمام الخالصي تناول الإمامة في مؤلفاته العقائدية والتفسيرية والفقهية بوصفها مظهراً من مظاهر اللطف الإلهي، مؤكداً أن الله تعالى كما أرسل الأنبياء لهداية البشر، أقام بعدهم أوصياء يحفظون الدين ويصونون الشريعة من الانحراف، وأن وجود الإمام يمثل استمراراً للحجة الإلهية في الأرض.
وتوقف المحاضر عند عدد من نصوص وردت في تفسير الإمام الخالصي بعنوان «التفسير الخالص» التي أكّد فيها الإمام الخالصي ضرورة وجود حجة لله في كل عصر، مستدلاً بآيات القرآن الكريم على استمرار خط الإمامة بعد ختم النبوة، كما عرض موقفه من الشبهات التي أُثيرت حول تعظيم الأنبياء والأولياء وزيارة مراقدهم، وردوده على الطروحات التي عدّها من آثار الفكر الوهابي الحديث.
وفي ختام المحاضرة، استعرض الدكتور الدباغ نماذج من مذكرات الإمام الخالصي وكتبه الأخرى، ومنها «في سبيل الله» و«أشعة من حياة الإمام الصادق»، مبيناً أن الإمام الخالصي كان يرى في الإمامة ضمانة لحفظ الدين ووحدة الأمة، وأن شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) جمعت من الفضائل العلمية والروحية والجهادية ما يجعلها الأجدر بقيادة الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأكد أن قراءة تراث الإمام الخالصي تكشف بصورة جلية أن عقيدة الإمامة والولاية لم تكن مسألة فرعية في فكره، بل شكّلت ركناً أساسياً في رؤيته الدينية والإصلاحية، وحضرت بوضوح في مختلف مؤلفاته ومواقفه الفكرية والسياسية.







