المرجع الخالصي يدعو إلى مؤتمر وطني جامع: السيادة بامتلاك القرار والثروة ورفض الإملاءات الخارجية
الكاظمية المقدسة – 30 أيلول 2026م
دعا سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) إلى بناء مشروع وطني جامع، يتوّج بمؤتمر شامل لاستعادة قرار الشعب العراقي، مؤكداً أن السيادة لا تتحقق بالاحتفالات والشعارات أو بإعلان انسحاب القوات الأجنبية وحده، بل بامتلاك العراقيين قرارهم السياسي، والتحكم بأرضهم وأجوائهم ومياههم وثرواتهم، بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
جاء ذلك في ندوة حوارية ثقافية سياسية عقدتها مدرسة الإمام الخالصي بمدينة الكاظمية المقدسة، مساء الأربعاء 30 أيلول 2026م، بعد صلاتي المغرب والعشاء، بعنوان: «استرجاع السيادة: بين الشعارات والواقع»، استذكاراً لمؤتمرَي الكاظمية الأول والثاني، وسعياً لبناء المؤتمر الوطني الشامل لاستعادة القرار.
السيادة بين الإعلان والواقع
استهل سماحته كلمته بالتأكيد على الترابط بين العقيدة والشريعة والموقف السياسي، موضحاً أن الالتزام الديني لا يكتمل من دون موقف واعٍ يحمي مصالح الأمة؛ فقد يكون الإنسان موحّداً وملتزماً بالأحكام الشرعية، لكنه ينحاز سياسياً إلى أعدائها. واستشهد بمواقف بعض أصحاب المكانة الدينية الذين واجهوا دعوات الأنبياء بدافع الحسد والمصالح، مشيراً إلى أهمية اللقاءات الفكرية والشرعية في تصحيح المفاهيم، وإحياء السنن المهجورة، والتحذير من البدع، ومناقشة قضايا الناس والأمة.
ودعا إلى بحث جاد في حقيقة السيادة ومدى تحققها، بعيداً عن تنازع الأدوار ونسب الإنجازات إلى الأشخاص، مستذكراً احتفالات أواخر عام 2011م ومطلع عام 2012م التي أُقيمت تحت عنوان استعادة السيادة، ومتسائلاً عن أسباب إعادة إعلان استعادتها اليوم. وأكد أن دور المفاوض العراقي كان ينبغي أن يُقدّم بوصفه مستنداً إلى مقاومة الشعب، مع الاعتراف بأثرها، لا باعتباره إنجازاً شخصياً منفصلاً عنها.
وبيّن أن السيادة تعني القدرة على التحكم بالأرض والأجواء والمياه والثروات، واتخاذ القرارات التي تحقق مصلحة البلد عبر ممثلين حقيقيين للشعب. وانتقد تخويف العراقيين من عودة «داعش» عند الحديث عن خروج القوات الأجنبية، معتبراً أن هذا التخويف يُستخدم لإبقائهم مرتبطين بتلك القوى وخاضعين لإرادتها.
واستشهد بمقابلة بثتها قناة الجزيرة قرب طريق اليعربية–الموصل، قال إن أحد الكرد تحدث فيها عن تعرض قواتهم للقصف الأميركي عند محاولتها قطع طريق يستخدمه التنظيم. كما نقل عن أحد المتابعين استمرار حركة الطيران الأميركي وتحكمه بالأجواء العراقية، منتقداً امتثال الجهات المعنية للتوجيهات الخارجية التي تتدخل في القرارات المهمة بالأمر أو المنع.
السيادة المالية وغياب الإرادة الشعبية
وعدّ الشيخ الخالصي السيطرة على الثروة الوطنية اختباراً أساسياً للسيادة، ناقلاً عن شخصية مطلعة على الملف المالي وجود قانون شُرّع في البرلمان لاستعادة السيادة على الأموال المنهوبة، لكنه لم يُنفذ، بسبب اعتراض خارجي شديد.
وأكد أن بقاء أموال العراق خارج سيطرة الدولة والشعب يمثل افتقاداً للسيادة، رافضاً تبرير التحكم الخارجي بها بالخوف من سرقتها داخلياً؛ فالخشية من الفساد لا تسوّغ إخضاع الثروة الوطنية لإرادة الآخرين أو القبول بما يخالف القواعد القانونية والدستورية.
وشدّد على أن الحلقة المفقودة في معادلة الصراع هي إرادة الشعب العراقي وقراره، وأن معالجة ذلك تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً، يقوم على لقاءات شعبية علنية تجمع أبناء العراق بمختلف انتماءاتهم، وتستمر حتى تتحول إلى قوة فاعلة. وحذّر من أن غياب المبادرة الوطنية يترك المجال لإرادات الآخرين كي تتحكم بمصير البلاد.
وفي هذا السياق، انتقد فعاليات تتسم بالبذخ والإنفاق وتفتقد الحضور الشعبي والمضمون، ويتحدث فيها عن السيادة من أسهموا في ربط العراق بالمشروع الخارجي، وعن مكافحة الفساد من شاركوا في نهب البلاد. وأكد أن قيمة اللقاءات تكمن في تمثيلها للناس وقدرتها على إنتاج حوار جاد وعمل مشترك.
مؤتمر جامع لاستعادة القرار
ورأى سماحته أن أزمة القرار المستقل تمتد إلى ما قبل الاحتلال، مستحضراً نقد الشاعر الشبيبي لهيمنة المستشار الأجنبي في العهد الملكي. وقال إن ذلك العهد، كان خاضعاً للنفوذ البريطاني وأسّس لمسار الفساد اللاحق، فيما لم يحقق العهد الجمهوري استقلالاً كافياً، وأصبحت التبعية بعد الاحتلال أكثر وضوحاً. وربط الأزمات المتواصلة بغياب قرار عراقي يدافع عن البلد ومصالحه.
واستشهد بتجربة غاندي في جمع الشعب الهندي لاستعادة كرامته واستقلاله، وتجربة المؤتمر الوطني الإفريقي في مواجهة الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، مؤكداً إمكان تحقيق الأهداف الوطنية بالعمل الشعبي المنظم والمستمر. كما تناول مواجهة الشعب الفلسطيني للمشروع الاستيطاني، وما يجري من الاستيلاء على الأراضي وإضفاء الصفة القانونية على المستوطنات، مقابل تهجير أصحاب الأرض وملاحقتهم وقتلهم.
وأكد أن الوصول إلى مؤتمر وطني شامل يبدأ بلقاءات ومؤتمرات تتسع تدريجياً، مستذكراً مؤتمر الكاظمية الأول عام 1911م، والثاني الذي جاء لمواجهة إرهاصات الغزو البريطاني، ثم مؤتمر كربلاء. وأشار إلى أن الدعوة لإحياء مؤتمر كربلاء تستلزم تهيئة مقدماته من خلال اللقاءات الأولية.
واستعرض تجربة مدرسة الإمام الخالصي بعد الاحتلال، حين تطورت عشرات اللقاءات الصغيرة إلى «المؤتمر التأسيسي»، معتبراً أنها تؤكد إمكان بناء إطار جامع. وحذّر من أن القوى ذات الحضور الجماهيري تبقى عرضة للتبعية ما لم تتبنَّ المشروع الوطني وتعمل لاستعادة القرار العراقي.
وأعرب عن أمله في أن تكون استعادة السيادة حقيقة تتجسد في رفض الإذعان للمشروع الاستعماري، موضحاً أنه لا يملك تأكيداً بشأن خروج القوات الأجنبية بالكامل. ودعا إلى بحث وجود قوات تابعة لدول أخرى، وأسباب بقائها، والجهة التي سمحت بدخولها، وموعد خروجها.
وحدة العراق واستقلاله وهويته
وحدّد الشيخ الخالصي ثلاثة ثوابت للمشروع الوطني: وحدة العراق أرضاً وشعباً، واستقلاله، وهويته الجامعة، موضحاً أن البعدين الإسلامي والقومي لا يعنيان إقصاء أي مكوّن؛ فالهوية الكردية والتركمانية جزء من هوية العراق.
وأكد أن قضايا جمع السلاح، والحكومة التي يجري ذلك في ظلها، والعلاقات مع دول الجوار، والفيدرالية وشكل إدارة الدولة، يجب أن يحسمها العراقيون بأنفسهم، بعيداً عن الفرض الخارجي. وشدّد على أن المشروع لا يستهدف الخصومة مع العراقيين، مع التمسك بالدفاع عن الحق ومواجهة ما يستلزم مواجهته.
واختتم سماحته بالتعبير عن اعتزازه بالحضور القادم من مناطق العراق المختلفة، معتبراً أن اجتماعهم يؤكد افتقاد رهانات تقسيم البلاد إلى أساس شعبي، وداعياً إلى مواصلة العمل لإنضاج مشروع وطني يستعيد للعراقيين سيادتهم وقرارهم.















