مدرسة الإمام الخالصي تقيم ندوة حوارية وتبحث استعادة السيادة: دعوات لمؤتمر وطني جامع وقرار عراقي مستقل
الكاظمية المقدسة – 30 أيلول 2026م
عقدت مدرسة الإمام الخالصي في مدينة الكاظمية المقدسة ندوة حوارية ثقافية سياسية بعنوان «استرجاع السيادة: بين الشعارات والواقع»، برعاية سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، وبمشاركة شخصيات علمائية وأكاديمية ووطنية وممثل حركة حماس في بغداد، بحثت حقيقة السيادة العراقية ومتطلبات استعادة القرار الوطني، وأهمية الوحدة الشعبية والتحكم بالثروات ورفض الإملاءات الخارجية.
وأُقيمت الندوة مساء الأربعاء 30 أيلول 2026م، بعد صلاتي المغرب والعشاء في قاعة المدرسة، استذكاراً لمؤتمرَي الكاظمية الأول والثاني، وسعياً لبناء المؤتمر الوطني الشامل لاستعادة القرار.
افتتاح يستحضر تاريخ الموقف الوطني
افتُتحت الندوة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت الشيخ هيثم نعمة الطائي، ثم قدّم الأستاذ جعفر صادق الجبوري كلمة استعرض فيها دور المدرسة الخالصية بوصفها منبراً للفكر والوعي والمواقف الوطنية والإسلامية، مؤكداً أن استقلال الوطن يُصان بالموقف والإرادة والعمل.
واستذكر دعوة الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير إلى مؤتمر عام 1911م لمواجهة الاحتلال الإيطالي لليبيا، ودور علماء المدرسة في مقاومة الاحتلال البريطاني والجهود المرتبطة بثورة العشرين، مبيناً أن الندوة امتداد لهذا النهج، ومحاولة لجمع الطاقات الوطنية وترسيخ حق الشعب في تقرير مصيره.
المرجع الخالصي: استعادة السيادة تبدأ باستعادة إرادة الشعب
وفي الكلمة المركزية، أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي الترابط بين العقيدة والشريعة والموقف السياسي، موضحاً أن الالتزام الديني يستلزم وعياً يحمي مصالح الأمة، وأن هذه اللقاءات تتيح بحث قضاياها وتصحيح المفاهيم وإحياء السنن والتحذير من البدع.
ودعا إلى تقييم جاد لحقيقة السيادة، بعيداً عن الاحتفالات وتنازع الإنجازات الشخصية، مستذكراً إعلان استعادتها أواخر عام 2011م، ومتسائلاً عن أسباب تكرار الإعلان اليوم. وشدّد على ضرورة الاعتراف بدور مقاومة الشعب العراقي، وعدم اختزال ما تحقق في دور المفاوض وحده.
وبيّن أن السيادة تُختبر بالتحكم بالأرض والأجواء والمياه والثروات، وباستقلال القرارات عن التوجيهات الخارجية، منتقداً التخويف من عودة «داعش» لتبرير استمرار الارتباط بالقوات الأجنبية. وعدّ السيطرة على الأموال العراقية ركناً أساسياً، رافضاً تبرير إخضاعها للتحكم الخارجي بالخوف من الفساد الداخلي.
وأكد أن العنصر المفقود في المعادلة هو إرادة الشعب، داعياً إلى لقاءات شعبية علنية تتسع تدريجياً نحو مؤتمر وطني جامع، ومستشهداً بتجارب الهند وجنوب إفريقيا، وبالمؤتمرات العراقية التاريخية وتجربة «المؤتمر التأسيسي» بعد الاحتلال.
وحدّد للمشروع ثلاثة ثوابت: وحدة العراق أرضاً وشعباً، واستقلاله، وهويته الجامعة التي تشمل مكوناته كافة. وأكد أن شؤون السلاح والعلاقات مع الجوار وشكل إدارة الدولة يجب أن يقررها العراقيون، داعياً إلى التدقيق في حقيقة خروج القوات الأجنبية وأسباب بقاء قوات تابعة لدول أخرى.
الكبيسي والجبوري: الوحدة الوطنية والدولة القادرة
وتحدث الدكتور أحمد عوّاد الكبيسي عن دور المدرسة الخالصية في حماية الوحدة الوطنية، مستذكراً موقفها المركزي والأساسي من العملية السياسية التي فرضها الاحتلال الامريكي على العراق.
واستحضر مقاومة العراقيين في الفلوجة والنجف، مؤكداً أن السيادة تتطلب حماية الحدود واستقلال القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتحرير المجتمع من ضغوط الطائفية والفساد. وشدّد على أن الدولة ينبغي أن تتحكم بالسلاح وألا تكون مرتهنة لفصيل، واختتم بأبيات تستحضر وحدة بغداد ومكانتها العلمية والدينية.
من جانبه، أكد الشيخ الدكتور علي عبدالعزيز الجبوري ضرورة بناء دولة قوية، مستقلة الإرادة، تدير الحقوق والواجبات وفق الدستور والقانون. ورأى أن سلاح المقاومة أسهم في حماية العراق، وأنه يحتاج إلى الضبط والانضباط والتوجيه الصحيح، محذراً من محاولات تجريد المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين من قوتها. كما حيّا تضحيات الشعب الفلسطيني وفصائل مقاومته، مؤكداً حق أبناء المنطقة في الدفاع عن بلدانهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
الحافي: وحدة العراق ركيزة لجمع المنطقة
وفي كلمته، حيّا الأستاذ محمد الحافي، ممثل حركة حماس في بغداد، عوائل الشهداء والجرحى، معتبراً ما تحقق ثمرة لصمود العراقيين وتضحياتهم وخطوة على طريق السيادة الكاملة. وأشاد بمواقف المدرسة الخالصية، وبمسؤولية العلماء والنخب عن تقديم توجيه واعٍ يتجاوز الاندفاع العاطفي.
وأكد أن أبناء المنطقة بمختلف أديانهم وقومياتهم أصحاب الحق في إدارة ثرواتها، وأن فلسطين قضية الأمة جميعاً. ورأى أن العراق قادر على جمع دول المنطقة وتقريب شعوبها، محذراً من صراعات الاستنزاف ومحاولات إلغاء الآخرين، ومستحضراً تجربة الحرب الأهلية اللبنانية.
وتناول أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها، معتبراً أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام، وأن جرائم الإبادة لا تمثل انتصاراً عسكرياً. ودعا إلى عدم الانخداع بصورة القوة الأميركية، معرباً عن أمله في أن تسهم وحدة العراقيين في تعزيز وحدة الأمة ومساندة فلسطين.
حوار حول شمول السيادة وضوابط السلاح
وأشاد الشيخ الدكتور ميثاق الحميري بمواقف المرجع الخالصي تجاه فلسطين والعدوان على الجمهورية الإسلامية، وبتضحيات القوات الأمنية والحشد الشعبي، مستحضراً مشاركة العراقيين في يوم القدس ودعمهم لفلسطين. وطرح تساؤلات عن شمول السيادة للقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وعلاقتها بالشؤون الداخلية والخارجية، وحقيقة تحققها مع بقاء قوات أجنبية.
وفي إجابته، أكد المرجع الخالصي أن «الاستقلال لا يتجزأ»، وأن تحقيق جانب منه يستلزم مواصلة العمل لاستكمال الجوانب الأخرى، بما فيها الاستقلال الفكري والعقائدي. وأوضح أن الموازنة والمرونة في العلاقات الخارجية لا تتعارضان مع اتخاذ قرار مستقل يخدم الشعب.
وشدّد على أن السلاح المقاوم لا يُسلّم إلا إلى دولة قادرة على صون السيادة والمقاومة، وأن الحوار يساعد على تقريب المواقف، محذراً من السماح للخلافات الفرعية بتقويض الثوابت الأساسية. كما بيّن أن موقفه من مواجهة العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران يستند إلى نهج العلماء الذين تصدوا للغزو عام 1914.
وفي تعقيب، أوضح الدكتور الكبيسي أن مواجهة الاحتلال لا تعني العداء لليهود أو المسيحيين عموماً، مستشهداً بالآيات التي تدعو إلى البر والعدل مع غير المعتدين، وتحذّر من موالاة من يقاتلون الناس ويخرجونهم من ديارهم.
فلسطين ومفهوم السيادة وبناء المجتمع
وتناول الأستاذ بارز عمر البيرقدار مركزية فلسطين والقدس في وجدان المسلمين، منتقداً غياب الحاضنة الرسمية الآمنة للشعب الفلسطيني. واستعرض دور القوات العراقية في معارك جنين، مؤكداً أثر الإيمان والقيادة والمفاجأة، ومستذكراً صوراً من صمود العائلات الفلسطينية. وشدّد على أن دعم فلسطين واجب وشرف، وأن تضحيات أهل غزة ستبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.
وقدّم الشيخ الدكتور قاسم الكعبي قراءة تاريخية وقانونية للسيادة، تناول فيها مراحل التدخل الأجنبي في العراق، والتغيير عام 2003 الذي رأى أنه لم يصدر عن إرادة الشعب. وميّز بين السيادة الداخلية، القائمة على تطبيق القانون بالتساوي، والخارجية، القائمة على استقلال العلاقات والقرارات.
كما بحث تطور المفهوم وصلته بالإرادة الشعبية، وانتقد تأثير الشركات العابرة للحدود والهيمنة على الثروات والتدخل السياسي والثقافي، معتبراً أن الإعلان عن السيادة يظل شكلياً ما لم تمتلك الدولة سلطة فعلية على كامل أراضيها وشؤونها.
أما الدكتور علي سلمان، عميد كلية التربية الرياضية في جامعة مدينة العلم، فركّز على دور المجتمع، مؤكداً أن الشعوب الحرة تصنع القرار، وأن العراقيين يحتاجون إلى توحيد الرؤى وتعزيز الصلابة وإعادة بناء القيم. ودعا إلى خطاب تربوي واجتماعي يواجه الخوف من الضغوط الاقتصادية، مستشهداً بصمود الشعبين الفلسطيني والإيراني، ومحذراً من مظاهر التراجع القيمي.
ختام يؤكد المشروع الوطني واستقلال القرار
واختُتمت الندوة بخلاصة أكدت ضرورة بناء مشروع وطني ينبع من الشعب العراقي، ويقوم على استقلال القرار ووحدة الدولة وبسط القانون على جميع مناطقها، وربطت الاعتداءات على العراق واغتيال قادة المقاومة بغياب السيادة الفعلية.
وجرى التأكيد على مواصلة الحوار والعمل الوطني، ثم قراءة سورة الفاتحة لأرواح الشهداء والمؤمنين والمؤمنات، مصحوبة بالصلاة على محمد وآل محمد.































































