المرجع الخالصي: معركة الأمة ليست حرب دولةٍ بعينها... والصمت على مشاريع الهيمنة خيانة للإسلام والقرآن
الكاظمية المقدسة – المكتب الإعلامي – 2 صفر الخير 1448هـ / 17 تموز 2026م
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي(دام ظله)، خلال خطبة صلاة الجمعة التي ألقاها في مدينة الكاظمية المقدسة، أن الأمة الإسلامية تخوض اليوم مواجهةً مصيرية مع مشاريع الهيمنة والاستكبار، مشدداً على أن هذه المعركة ليست حرب دولة أو محور، وإنما معركة الأمة بأسرها دفاعاً عن دينها وهويتها ورسالتها الإنسانية. وحذر من محاولات استدراج الشعوب والقوى الإسلامية إلى التنازل عن مبادئها عبر الضغوط والإغراءات السياسية والإعلامية، داعياً إلى التمسك بمنهج القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة مشاريع الفساد والانحراف، مؤكداً أن الإصلاح يبدأ بإصلاح الإنسان ومحاسبة النفس، وأن الصمت أمام هذه التحديات لا يخدم إلا أعداء الأمة.
الخطبة الأولى: الثبات على طريق الحق ومحاسبة النفس أساس النجاة من الفتن
أكد المرجع الخالصي أن تقوى الله تعالى والالتزام بكتابه وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) هما أساس النجاة في الدنيا والآخرة، وأن مسؤولية الدعوة إلى هذا الطريق لا تقتصر على العلماء والخطباء، بل تشمل كل مسلم تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، محذراً من الغفلة والاستدراج وراء الشهوات والأفكار المنحرفة التي تبعد الإنسان عن طريق الحق.
ودعا إلى مراجعة النفس ومحاسبتها، وحسن استثمار الوقت، ولا سيما في الأيام والليالي المباركة، محذراً من ضياع الأعمار في اللهو والانشغال بما لا ينفع، ومشيراً إلى أن تفشي مظاهر الانحراف الأخلاقي والاجتماعي، وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أسهما في اتساع دائرة الفساد وضياع كثير من الشباب، فضلاً عن التحديات التي تواجه الأسرة بسبب البرامج والأفكار الوافدة التي تستهدف الهوية الإسلامية.
وأوضح أن شهر صفر يمثل امتداداً لمدرسة كربلاء في الصبر والثبات، وأن ما تحمله أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تضحيات كان من أجل حماية الإسلام ومنع انحراف الأمة، مؤكداً أن هذه المسيرة امتداد لمسيرة الأنبياء والرسالات، وأن الثبات الذي جسده الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه هو المنهج الذي ينبغي أن تتمسك به الأمة في مواجهة الفتن.
وأشار إلى أن معيار الحق ليس الشعارات ولا العناوين، وإنما الالتزام بمنهج النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته والصحابة الصالحين، محذراً من الخلط بين الحق والباطل أو الانخداع بالمظاهر السياسية والإعلامية التي تحاول تزييف الحقائق.
كما وجه رسالة إلى المسؤولين في الامة لا سيما في العراق محذراً من الانجرار وراء الإغراءات السياسية التي تنتهي بتنازلات تمس ثوابت الأمة، ودعا المجاهدين إلى المحافظة على نهجهم وعدم نسيان دماء الشهداء، مؤكداً أن الثبات يبدأ بإعمال العقل والتفكر الصادق، وأن المؤمن إذا أخلص في طلب الحق هداه الله إليه.
ودعا إلى استثمار أوقات الشباب فيما ينفع، وعدم تحويل المقاهي وأوقات الفراغ إلى وسيلة لإضاعة الأعمار، كما توقف عند استمرار أزمة الكهرباء والفساد في العراق، متسائلاً عن أسباب استمرارها رغم مرور أكثر من ربع قرن، ومؤكداً أن معالجة الفساد لا تتحقق إلا عبر قضاء عادل ومؤسسات نزيهة تميز بين الفاسدين الحقيقيين وبين من يُتهمون ظلماً.
وفي ختام الخطبة الأولى دعا إلى الاستعداد الواعي لزيارة الأربعين، وجعلها مناسبة لتعزيز الوعي وتحمل المسؤولية تجاه قضايا الأمة، مؤكداً أن المسلمين يعيشون اليوم وسط معركة كبرى تستوجب اليقظة وعدم الغفلة عن مسؤولياتهم.
الخطبة الثانية: معركة الأمة معركة وجود... ومشاريع الهيمنة إلى زوال
أكد المرجع الخالصي أن الحرب الدائرة اليوم ليست حرب إيران أو العراق أو فلسطين وحدها، وإنما هي معركة الأمة الإسلامية بأسرها دفاعاً عن دينها ورسالتها والإنسانية، مبيناً أن الصراع مع المشروع الصهيوني والاستعماري سابق للثورة الإسلامية في إيران، وأن شعوب المنطقة شاركت في هذه المواجهة منذ عقود، مما يؤكد أن القضية قضية أمة لا قضية دولة بعينها.
وأشار إلى أن تنامي الاعتراضات داخل الدول الغربية على السياسات الصهيونية يعكس اتساع دائرة الوعي، معتبراً أن ذلك يمثل مؤشراً على بداية تصحيح المسار.
كما تناول الكيانات التي أنشأها الاستعمار في المنطقة، مؤكداً أنها أقيمت لخدمة المصالح الأجنبية والسيطرة على ثروات الشعوب، معرباً عن ثقته بزوال هذه المشاريع مهما اشتدت وسائل القمع والبطش.
وتوقف عند الأوضاع في البحرين، مؤكداً أن القضية ليست صراعاً طائفياً، بل قضية شعب يطالب بحقوقه، محذراً من إعادة محاكمة المعتقلين أو إصدار أحكام جديدة بحقهم، ومؤكداً أن هذه الممارسات تخالف الشرائع والقوانين الدولية، ولن تزيد الشعب إلا تمسكاً بحقوقه.
كما استنكر سياسة الاختطاف والبلطجة التي تمارسها بعض القوى الدولية بحق رؤساء الدول والشخصيات السياسية، معتبراً أنها تعكس استخفافاً بالقانون الدولي، مؤكداً أن الظلم لا يدوم وأن عاقبته إلى زوال.
وتناول ملف القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة، متسائلاً عن دورها الحقيقي، وهل كانت سبباً في حماية شعوب المنطقة أم منطلقاً للحروب والاعتداءات التي استهدفت العراق وغيره، مؤكداً أن التجربة أثبتت أنها كانت أداة لتدمير البلدان وإدامة الأزمات.
وفي الشأن السوري، استغرب الاحتفاء بمنع وصول السلاح إلى المقاومة في لبنان في وقت يواصل فيه الاحتلال الصهيوني احتلال أراضٍ سورية والاعتداء عليها، مؤكداً أن دعم المقاومة لا يمكن أن يعد جريمة، وأن حزب الله قدّم تضحيات كبيرة في الدفاع عن لبنان وسوريا، وأن المرحلة الحالية تستوجب توحيد الجهود في مواجهة الاحتلال بدلاً من تعميق الانقسامات، معرباً عن أمله في ألا تعبر هذه المواقف عن جميع المسؤولين في سوريا.
كما تناول ما يتعلق بالمجموعات المسلحة الكردية في شمال العراق، مشيراً إلى المعلومات التي تحدثت عن استعدادها للدخول إلى الأراضي الإيرانية خلال الحرب الأخيرة بعد حصولها على دعم وتسليح خارجي، محذراً من خطورة توظيف بعض القوى المحلية في مشاريع تستهدف أمن المنطقة واستقرارها.
وأكد أن الخروج الآمن من هذه المرحلة لا يكون إلا بالعودة إلى الأمة ورسالتها والانحياز إلى مصالح الشعوب، محذراً من إعادة إنتاج مشاريع التقسيم وإثارة الانقسامات الطائفية والقومية تحت عناوين حماية هذه الطائفة أو تلك، لأنها أدوات استخدمت لتفكيك المجتمعات وإضعافها.
ودعا العلماء إلى القيام بمسؤولياتهم الشرعية وعدم السكوت عن الحق، مؤكداً أن الصمت في هذا الزمن لا يخدم إلا أعداء الإسلام، كما توقف عند الحملات الإعلامية والإلكترونية التي أعقبت تحذيره من نتائج زيارة بعض المسؤولين العراقيين إلى الولايات المتحدة، مجدداً التساؤل عن أهداف تلك الزيارة ونتائجها، ومشدداً على أن أي تحرك سياسي يجب أن يقاس بمقدار ما يحققه من مصلحة للعراق، لا بما يترتب عليه من تنازلات تمس المجاهدين أو تخدم مشاريع الهيمنة.
كما انتقد محاولات الاحتماء بتاريخ الجهاد أو الانتماء الطائفي لتبرير الفساد أو منع المساءلة، مؤكداً أن الجهاد لا يمنح أحداً حصانة من المحاسبة، وأن من يجاهد إنما يجاهد لنفسه، وأن المجاهد الحقيقي لا يظلم الناس ولا يعتدي على حقوقهم ولا يستغل تضحياته لتحقيق مصالح شخصية، مشدداً على أن معيار الكرامة في الإسلام هو الاستقامة والعدالة وخدمة الأمة، لا الشعارات أو الانتماءات أو الادعاءات السياسية.
واختتم المرجع الخالصي خطبته بالدعاء إلى الله تعالى أن يثبت المؤمنين على طريق الحق، ويوحد صفوف المسلمين، ويمنّ على الأمة بالنصر والفرج.
