الرئيسية / خطب الجمعة /

  • الشيخ محمدقاسم الخالصي خلال خطبتي الجمعة: مراتب الإيمان تحدد الموقف السياسي وتمتحن صدق الانتماء

  • الشيخ محمدقاسم الخالصي خلال خطبتي الجمعة: مراتب الإيمان تحدد الموقف السياسي وتمتحن صدق الانتماء
    2026/01/16

    الشيخ محمدقاسم الخالصي خلال خطبتي الجمعة: مراتب الإيمان تحدد الموقف السياسي وتمتحن صدق الانتماء

    الكاظمية – الجمعة 27 رجب 1447هـ الموافق لـ 16 كانون الثاني 2026م

    ألقى فضيلة الشيخ محمد قاسم الخالصي، خطبتي الجمعة لهذا الأسبوع في مدينة الكاظمية المقدسة، حيث رسم من خلالهما معالم الطريق نحو الإيمان الحق، رابطًا بين منازل القرب من الله والموقف السياسي والاجتماعي، ومستحضرًا في الوقت ذاته عظمة سيرة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، كمثال خالد في الثبات والصبر والمقاومة، ومجسّدًا قيم التضحية والفداء التي قدّمها في سبيل حفظ الأمانة الإلهية.

    وقد توزعت خطبته بين تأصيل مفاهيم التقوى والورع ومنازل الأبرار والمقرّبين، من جهة، وبين الدعوة لمواساة الإمام الكاظم عليه السلام في محنته من جهة أخرى، في ربطٍ عميق بين البُعد الروحي والواقع العملي، الشخصي والسياسي.

    الخطبة الأولى: مراتب القرب من الله وانعكاسها على الواقع السياسي

    استهلّ فضيلة الشيخ خطبته الأولى بالحديث عن التقوى، موضحًا معناها كحالة من الحذر الدائم في علاقة الإنسان بربه، ودافع يدفعه إلى التزام أوامر الله واجتناب نواهيه، طلبًا للرضا الإلهي وخوفًا من الغفلة. وأكد أن التقوى هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه سائر درجات الإيمان، وأنها أولى المراتب في سُلّم الارتقاء الروحي.

    ثم انتقل إلى الحديث عن الورع، مبيّنًا أنّه أرفع من التقوى، كونه يعبّر عن ترك الشبهات، لا الحرام فقط، أي الامتناع عن كل ما قد يُفضي إلى الوقوع في المعصية. وقدّمه الشيخ على أنه صفة لا يتحلّى بها إلا من زهد في الدنيا، وتعلّق قلبه بالدار الآخرة.

    وفي سياق آخر، تطرق الشيخ إلى درجة الأبرار، وشرح معناها باعتبارها تمثّل حالة من الطهارة القلبية والسلوك المستقيم، يتجسدان في الرحمة بالخلق، والعدل في التعامل، والصدق في القول، مشيرًا إلى أنّ الأبرار هم الذين وعدهم الله بنعيم الجنة في كتابه الكريم.

    ثم ختم المحور الروحي بالكلام عن درجة المقرّبين، وهي أرقى المراتب، حيث يبلغ العبد فيها منزلة الاصطفاء الإلهي، فيكون ممن رضِيَ الله عنهم ورضوا عنه. وبيّن أن هذه المرتبة لا ينالها الإنسان إلا بالتخلية من كل ما سوى الله، والتحلية بكل ما يرضيه، وأن أصحابها يعيشون حالة من الفناء في الطاعة والحضور الدائم مع الله.

    وبأسلوبٍ تأملي عميق، بيّن فضيلة الشيخ انعكاسات هذه المراتب الإيمانية على الفقه والأحكام، موضحًا أن الفقيه حين ينظر إلى الوقائع بمنظار التقوى أو الورع، أو من مقام الأبرار أو المقرّبين، تختلف فتواه تبعًا للمرتبة الروحية التي ينطلق منها. كما أشار إلى أن هذا التدرّج لا يقتصر على الحكم الفقهي بل يمتد إلى الممارسة السياسية.

    وأوضح أن مَن يتحرّك في الميدان السياسي من مقام الورع أو الإحسان، فإن موقفه سيكون مختلفًا جذريًا عمن يتصرف من خارج هذه المقامات. فـ"المواقف"، كما قال، "تُظهر حقيقة الإنسان، وتبيّن هل هو من المتقين، أو من الأبرار، أو من المقرّبين، أو أنه يتحرّك في غير هذا السلم أصلًا".

    وقدّم فضيلته أمثلة من الواقع، مشيرًا إلى أن المواقف السياسية المتأثرة بالإيمان الحقيقي، هي التي تصنع الفرق بين حركة تسعى للإصلاح وأخرى تسعى للمصلحة، مشددًا على أهمية استحضار القيم الإيمانية في اتخاذ القرارات الكبرى.

    الخطبة الثانية: مواساة الإمام الكاظم عليه السلام ومحنة السجن والفداء بالنفس

    في خطبته الثانية، ركّز فضيلة الشيخ على البعد الأخلاقي والروحي لمسيرة أهل البيت عليهم السلام، داعيًا الحاضرين إلى استذكار مواساة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، الذي تحمّل ظلم الطغاة، وقضى سنين طويلة في سجون العباسيين، محافظًا على الأمانة الرسالية التي ورثها عن آبائه.

    وشدّد على أن تلك المواساة لا تقتصر على العاطفة المجردة، بل يجب أن تكون مشاركة وجدانية وواقعية في المبادئ التي ضحّى الإمام من أجلها، وفي الثبات على طريق الحق والصبر على المحن.

    وقال الشيخ: "إنّ الإمام الكاظم عليه السلام ليس فقط رمزًا للصبر الفردي، بل هو قدوة للأمة في تحمّل الأذى نصرة للحق"، داعيًا المؤمنين إلى أن يكونوا امتدادًا لهذه المدرسة من خلال الوعي والبذل والثبات على الموقف.

    كما أشار فضيلة الشيخ في خطبته إلى الدور العظيم الذي أدّته العائلات الكريمة المنتمية لمدرسة الإمام الخالصي، في مدينة الكاظمية المقدسة، وسائر مدن العراق، في مواساة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام خلال محنته في سجون الطغاة، لا سيما في زمن نظام الطاغية العفلقي، حيث جسّدوا أسمى صور الفداء، فبذلوا أرواحهم وعرّضوا أنفسهم للاعتقال والمطاردة في سبيل الله ونصرةً للإمام المظلوم.

    بل إن بعضهم – كما أشار الشيخنال شرف الشهادة عبر التسميم في السجون، فكانوا بحق صورة حية للمواساة العملية التي لا تكتفي بالعاطفة، بل تتحوّل إلى موقف وتضحية واستمرار في طريق أهل البيت عليهم السلام.

    وختم الخطبة بدعاء خاشع لله عز وجل أن يرزق الأمة الثبات على الطريق، ويمنّ على المؤمنين بالفهم العميق لمنازل الإيمان والعمل بها في كل ميادين الحياة.

    01

    02

    03

    04

    05

    06

    07

    08

    09

    10