المرجع الخالصي: السياسة الأمريكية تعبير عن الإفلاس الأخلاقي والحضاري.. والقدوة في الصالحين تحفظ الإنسان في دنياه وآخرته
الكاظمية المقدسة – المكتب الإعلامي
أكّد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، في خطبتي صلاة الجمعة التي أُمّ بها المصلين في مدينة الكاظمية المقدسة، بتاريخ 20 رجب الاصب 1447هـ الموافق لـ 9 كانون الثاني / يناير 2026م، على مجموعة من القضايا الجوهرية المتعلّقة ببناء الإنسان، ومواجهة تحديات الأمة، وعلى رأسها الأخلاق والتقوى، والعدوان العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في العراق والمنطقة.
الخطبة الاولى: التقوى سبيل النجاة.. والصالحون قدوة البشرية
في مستهلّ الخطبة الأولى، ركّز سماحته على قضية التقوى، مؤكّدًا أنها السبيل الأقوم للتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، ومراقبته لنا في السرّ والعلن، وأنّ هذه القيمة العظيمة تتجلّى في سِيَرِ الصالحين الذين خَلّدهم التاريخ أنموذجًا يُحتذى في الورع والثبات والإخلاص، وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وابنته السيدة زينب (عليها السلام)، والإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، الذين تزامنت ذكريات وفاتهم واستشهادهم مع هذه الأيام المباركة، فكانوا مصابيح هدى في دياجير الظلمة، ومَدارج نُورٍ لمن أراد السير على صراط الله المستقيم.
ونوّه سماحته إلى أن هذا النهج هو الذي "يحفظ الإنسان في دنياه وآخرته، ويُخلّد ذكره الطيب في الحياة"، مستشهدًا بقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) مريم:96.
وأشار إلى أن الله تعالى هو الأعلم بحال عباده، وهو الذي يتولاهم يوم القيامة، وهم الذين تُبنى على سيرتهم الحجة على العباد، ويُعتمد عليهم في رسم المسيرة الإنسانية القويمة.
كما تطرّق سماحته إلى بعض مآثر أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلماته الخالدة التي حفلت بالحكمة الإلهية، لا سيّما دعاؤه الشهير: "
اللهمَّ إني أعوذُ بكَ أن أفتقرَ في غِنَاكَ، أو أضلَّ في هُدَاكَ، أو أُذَلَّ في عِزِّكَ، أو أُضَامَ في سُلْطَانِكَ أو أُضْطَهَدَ والأمرُ لكَ!"، وقوله: "أكثر مصارع العقول تحت بروق الطمع"، وهي من العبارات البليغة التي تحذّر الإنسان من الانزلاق في متاهات الدنيا، والغفلة عن الحق.
وأشاد بموقف السيدة زينب (عليها السلام) التاريخي، ودورها البطولي في مواجهة قوى الضلال والانحراف الجاهلي، خصوصًا بعد فاجعة شهادة الإمام الحسين (عليه السلام)، مؤكدًا أن المرأة المسلمة يمكن أن تكون صوت الحق كما كانت زينب في أشد الظروف وأقساها.
كما توقّف عند الموقف العظيم للإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، الذي واجه طغيان الظالمين بصبرٍ وإيمانٍ لا يتزعزع، وظلّ ثابتًا على المبادئ رغم سنوات السجن الطويلة والظلم الشديد، ليُجسّد أروع صور التحدّي الروحي والثبات العقائدي في وجه الاستبداد، ويكون قدوة لكل مؤمن يسعى للحرية والكرامة في زمن المحن.
الخطبة الثانية: أمريكا تمارس الإرهاب العالمي.. والسياسة الهمجية دليل سقوط حضاري
وفي الخطبة الثانية، وجّه المرجع الخالصي نقدًا لاذعًا للسياسة الأمريكية، واصفًا إياها بـ"الهمجية العشوائية" التي تمارس التهديدات والضغوطات على شعوب العالم، موضحًا أن هذه السياسة تطال دولًا عديدة مثل فنزويلا، والبرازيل، وأمريكا الجنوبية، والمكسيك، وكندا، والدنمارك (رغم كونهم من حلفاء أمريكا في الاتحاد الأوروبي)، فضلًا عن دول المنطقة، وعلى رأسها العراق، وإيران، وتركيا، وفلسطين، ولبنان، واليمن.
واعتبر سماحته أن هذه الممارسات ليست سوى دليل ضعف وإفلاس على المستوى السياسي والأخلاقي، وانحدار في مسار الحضارة الإنسانية، مشيرًا إلى أن هذا السقوط سيشكّل بمشيئة الله تعالى بداية فرج شامل للبشرية، وأن ما تمرّ به الأمة اليوم لا بد أن يتحوّل إلى فرصة للتوحد والانبعاث.
الدعوة إلى وحدة الأمة.. وتحذير من الانهيار الاقتصادي
ودعا المرجع الخالصي خلال الخطبة إلى تعزيز وحدة الأمة الإسلامية، وجمع الشمل، وتجاوز الخلافات، لمواجهة المخاطر التي تحدق بالجميع دون استثناء، مؤكّدًا أن الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة قوى الشر والهيمنة ضرورة مصيرية.
وفي محور خطير، تناول المرجع الخالصي الوضع الاقتصادي في العراق، وعبّر عن استيائه من القرارات الحكومية التي تضرّ بالفقراء، بدءًا من إزالة الجنابر (البسطيات)، مرورًا بعدم الاهتمام الجاد بأوضاع الناس المعيشية، ووصولًا إلى تصعيد أسعار الغذاء، في ظلّ التلاعب الذي تقوده أمريكا.
كما حذّر من السكوت عن استمرار تحكّم الفاسدين بمقدرات البلد، مشيرًا إلى أن العملة العراقية والموارد الوطنية ما تزال تحت سطوة البنك الفيدرالي الأمريكي، وهو ما يعد انتقاصًا من السيادة واستمرارًا للهيمنة.
استنكار الصمت.. ومخاوف من التلاعب بالعملة الوطنية
واستنكر سماحته حالة "عدم الاستنكار" المنتشرة في الأوساط الشعبية والرسمية تجاه التدهور الاقتصادي، وتراجع الاهتمام الجاد بمعاناة الناس، معتبرًا أن هذا الصمت يعمّق الأزمة.
وأشار إلى أن الثروات الوطنية تُهدر بأيدي الفاسدين، في ظل هيمنة أمريكية مستمرة على مفاصل الدولة، حيث بلغ الأمر حدّ التلاعب المباشر بالعملة العراقية وقيمتها، وهو مؤشر خطير يجب التصدي له قبل فوات الأوان.
