المرجع الخالصي: وحدة الأمة وتطبيقاتها العملية هي السلاح الأهم في مواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية
الكاظمية المقدسة – 27 ذو القعدة 1447هـ/ 15 أيار 2026م
أكد سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، خلال خطبتي الجمعة في مدينة الكاظمية، أن وحدة الأمة الإسلامية تمثل الركيزة الأساس في مواجهة التدخلات الأجنبية ومشاريع الهيمنة والاستعمار، مشدداً على أن غياب الموقف الموحد، أو حتى الوحدة النسبية، أتاح لقوى “البغي والضلال” التدخل في شؤون المنطقة بهذه الصورة “السمجة والوقحة”، فيما تناول في الخطبة الثانية تطورات المشهد الإقليمي، ولا سيما ما يجري في فلسطين ولبنان والجمهورية الإسلامية، مؤكداً أن قوى المقاومة فرضت معادلات جديدة أربكت المشروع الأمريكي وأدخلته في مرحلة التراجع والارتباك.
الخطبة الأولى: الأمة بين ضرورة الوحدة ومخاطر الاختراق الأجنبي
شدد المرجع الخالصي في مستهل خطبته الأولى على أن الأمة الإسلامية، وهي تستقبل موسم الحج، أحوج ما تكون إلى التمسك بالمشتركات الكبرى التي تحفظ وحدتها وتمنع خضوعها لقوى الشر والاستكبار، مبيناً أن أي قدر من الوحدة، ولو كان نسبياً، كفيل بمنح الأمة قوة حقيقية تحول دون استباحة قرارها السياسي والاجتماعي.
وأوضح أن الشعوب التي تمتلك إرادة المواجهة قادرة على كسر مشاريع الهيمنة، مستشهداً بما حققته قوى المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن، إلى جانب الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن التجربة العراقية في مواجهة المشروع الأمريكي الذي دخل العراق بهدف اجتياح المنطقة بأسرها، إلا أنه اصطدم بمقاومة أبناء الشعب العراقي.
وأكد أن هذه المقاومة لم تكن تعبر عن طائفة أو جماعة بعينها، بل مثلت إرادة الشعب العراقي بمختلف مكوناته، رغم المحاولات التي سعت إلى تطييف هذا المشروع المقاوم أو حصره ضمن إطار فئوي ضيق، مشيراً إلى أن بعض القوى والأحزاب التي كانت جزءاً من النكبة السياسية والأمنية في العراق حاولت لاحقاً الادعاء بأنها تقاوم الاحتلال، بينما تكشف اليوم ارتباطها الواضح بالمشروع الأمريكي.
وبيّن سماحته أن مصير الأمة يبقى مرهوناً بمدى قدرتها على توحيد إرادتها ومواقفها، لافتاً إلى أن الشعور بالحاجة إلى الوحدة حاضر لدى الشعوب والقادة على حد سواء، وقد تجسد ذلك في محاولات ومؤتمرات عديدة منذ عقود، من بينها مؤتمر إسلام آباد أو لاهور في باكستان أواخر أربعينيات القرن الماضي، فضلاً عن مشاريع العمل الإسلامي المشترك التي ظهرت قبل النكسة وبعدها.
وأشار إلى أن غالبية هذه المؤسسات والمحاولات تعرضت لاحقاً إلى الإفراغ من مضمونها الحقيقي، بما يسمح للعدو باختراقها أو توظيفها لمصالحه، مستشهداً بالجامعة العربية التي تأسست بإرادة بريطانية، ورغم ما كان يُفترض أن تؤديه من دور في حماية قضايا الأمة، إلا أنها تحولت في كثير من المحطات إلى غطاء لتبرير العدوان على الشعوب العربية والإسلامية، فيما لم تتمكن الشخصيات المخلصة داخلها من تحقيق مواقف مؤثرة وواضحة.
كما تطرق إلى اللقاءات الإسلامية – المسيحية، وحتى الحوارات التي شاركت فيها شخصيات غربية ومسيحية قدمت من الولايات المتحدة ودول استعمارية، معتبراً أن هذه اللقاءات تعكس إدراكاً عاماً لدى الأمة بحقيقة الصراع القائم، غير أن القوى المعادية تعمل باستمرار على تخريب هذه المحاولات وإفراغها من أهدافها.
ودعا المرجع الخالصي المسلمين، شعوباً وقادة، إلى الاستفادة من شعيرة الحج بوصفها محطة جامعة تعيد توجيه بوصلة الأمة نحو قضاياها المصيرية، وتدفعها إلى تجنب الصراعات الجانبية والانقسامات الداخلية التي تخدم مشاريع الأعداء وتمنحهم فرصة التغلغل والسيطرة.
وفي سياق الحديث عن الثبات على الموقف الحق ورفض الخضوع للطغيان، استذكر المرجع الخالصي ذكرى شهادة الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، التي تحل في أواخر شهر ذي القعدة، مبيناً أن حياة الإمام الجواد (عليه السلام) القصيرة مثّلت خلاصةً لمسيرة الأنبياء والأئمة الأطهار في مواجهة الطغيان والانحراف عن نهج الله تعالى.
وأوضح أن الرسالة التي جسدها الإمام الجواد (عليه السلام) تمثلت في رفض الخضوع للطاغوت وعدم الإذعان للسلطات التي تقود الناس بعيداً عن الارتباط بالله سبحانه وتعالى، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿..فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ..﴾(البقرة:256)، مؤكداً أن الإمام الجواد (عليه السلام) جسّد هذا المبدأ عملياً في مسيرته ومواقفه.
وأشار إلى أن الإمام محمد الجواد(عليه السلام)، رغم قرابته النسبية من الحكم العباسي وتزويجه بابنة الحاكم العباسي، ورغم ما أُحيط به من مظاهر التكريم والمكانة الخاصة، لم يتخلَّ عن مسؤوليته الشرعية في بيان الحق وكشف المظالم والانحرافات التي كانت تمارسها السلطة آنذاك.
وأضاف أن هذه المواقف الشجاعة، التي استمرت على نهج آبائه الطاهرين، دفعت السلطة إلى التفكير بالتخلص منه بالأساليب ذاتها التي استخدمت عبر التاريخ ضد المصلحين وأصحاب المواقف الحرة، وهي الأساليب التي ما تزال ممتدة إلى الزمن الحاضر بأشكال مختلفة.
الخطبة الثانية: المقاومة تُربك المشروع الأمريكي وتفرض معادلات جديدة
وفي الخطبة الثانية، تناول المرجع الخالصي التطورات الجارية في المنطقة، متحدثاً عن صمود أبطال المقاومة في لبنان، وثبات الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان، إلى جانب ما تقوم به قوى المقاومة في الجمهورية الإسلامية على المستويات العسكرية والمدنية والدبلوماسية.
وأشار إلى أن التطورات الأخيرة أظهرت حالة الارتباك التي يعيشها المشروع الأمريكي، معتبراً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “المهزوز والمهزوم”، بحسب وصفه، اضطر إلى التوجه نحو الصين طلباً للمساعدة في احتواء الأزمة ومحاولة حسمها، بعد أن كان المخطط يقوم على إسقاط النظام وتغيير المعادلات السياسية في المنطقة.
وأوضح أن فشل هذه المخططات أدى إلى انتقال الصراع نحو ملفات أخرى، من بينها التهديد بفتح مضيق هرمز، مؤكداً أن قوى الهيمنة والاستكبار تتراجع عندما تواجه موقفاً موحداً وإرادة صلبة من أبناء الأمة.
وختم المرجع الخالصي خطبته بالدعوة إلى أبناء الأمة الإسلامية في مختلف البلدان إلى مزيد من الثبات والتمسك بخيار المقاومة والوحدة، معرباً عن أمله في أن تكون هذه التضحيات مقدمة لاقتراب “ساعة الفرج” وتحقيق النصر بإذن الله تعالى.وختم المرجع الخالصي خطبته بالدعوة إلى أبناء الأمة الإسلامية في مختلف البلدان إلى مزيد من الثبات والتمسك بخيار المقاومة والوحدة، معرباً عن أمله في أن تكون هذه التضحيات مقدمة لاقتراب “ساعة الفرج” وتحقيق النصر بإذن الله تعالى.






