خطيب مدرسة الإمام الخالصي: الإسلام أسّس دولة السيادة والردع.. والاستسلام للخارج مستعمَرة لا دولة
الكاظمية المقدسة: 12 ذو الحجة 1447هـ / 29 أيار 2026م
أكد الشيخ الدكتور علي عبدالعزيز الجبوري، عضو الهيئة العلمية لمدرسة الإمام الخالصي، أن المنهج الإسلامي قدّم رؤيةً إسلامية شاملة لبناء الدولة القوية ذات السيادة، مستنداً إلى آيات القرآن الكريم ومستلهماً من سيرة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) دروساً في الاستقلال الاقتصادي وصناعة القرار السياسي. مؤكداً أن القوة الحقيقية للدولة الإسلامية تقوم على ثلاث ركائز: الاكتفاء الذاتي، وإظهار القدرات للعالم، والإدارة الرشيدة الواعية.
وفي خطبته الثانية، شدّد على أن المشهد الدولي الراهن لا يعرف إلا معسكرين، محذّراً من الرهان على الخارج وداعياً إلى التمسك بمنهج المقاومة التي وصفها بالمعادلة الوحيدة لصنع النصر، مستشهداً بنماذج حزب الله واليمن والمقاومة في العراق وإيران.
الخطبة الأولى: القرآن دستور الدولة القوية.. والاكتفاء الذاتي شرط السيادة
انطلق الشيخ الجبوري من مدخل قرآني جامع، مبيّناً أن القرآن الكريم ليس كتاب عبادة وحسب، بل هو دستور متكامل لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع والدولة. وأشار إلى أن ما وضعته الأمم المتحدة اليوم من معايير التنمية البشرية كان موجوداً أصلاً في آيات الله وسلوك النبي وآله المعصومين، مؤكداً أن قصص القرآن تحمل في طياتها أسس الدولة الإسلامية التي تُنصف المظلوم وتقف بوجه الظالم وتُعطي لكل ذي حق حقه، وإذا تحققت أركانها صارت سيدة نفسها لا يملي عليها أحد قراراتها.
وتوقف سماحته عند غاية التشريعات الإسلامية، موضحاً أن العبادات -من صلاة وحج وصوم- إنما شُرعت لتكون المحطة الأولى لبناء الإنسان الطائع المنضبط؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والحج يُعلّم الطاعة في المشقة والغربة، والصوم يُربّي على الصبر والكف عن الملذات. وإذا صلح الإنسان صلحت الأسرة، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وعلى أساس المجتمع الصالح تُبنى الدولة على أسس صحيحة عادلة وقوية.
وانتقل الشيخ الجبوري إلى تفسير الآية الستين من سورة الأنفال: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم»، مؤكداً أن القوة التي تأمر بها الآية أوسع من التسليح العسكري؛ إذ تشمل ثلاث ركائز أساسية لبناء الدولة المرهوبة:
أولها امتلاك مستلزمات القوة على المستويات العلمية والصحية والاقتصادية، وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الزراعي والصناعي والعسكري وحتى القرار السياسي، لأن الدولة التي تحتاج إلى غيرها تظل رهينة لإرادة من قد يكونون أعداءها في الباطن.
وثانيها إظهار هذه القدرات للعالم عبر الابتكار والمناورات العسكرية والمشاركة في المسابقات العلمية الدولية، إعلاناً عن دولة تملك إرادتها وتسير وفق مخططها الذي رسمته لنفسها.
وثالثها وأهمها وجود إدارة واعية رشيدة تُوظّف هذه الإمكانات في خدمة المجتمع أولاً وردع الأعداء ثانياً، مع استقلال سياسي حقيقي قادر على صناعة القرار السيادي.
واستحضر سماحته من التاريخ الإسلامي شاهداً حياً على هذا المنهج، متناولاً الأزمة الاقتصادية التي مرّت بها الأمة الإسلامية عام سبع وسبعين للهجرة، حين كانت العملة المتداولة بيزنطية الأصل، ففرض ملك الروم شروطاً إذعانية أو نقش سبّ النبي (صلى الله عليه وآله) على العملة. فأرسل الحاكم الأموي ذلك الزمان إلى الإمام زين العابدين يستغيث، فأحال الإمام السجاد الأمر إلى ابنه الإمام محمد الباقر (عليه السلام) الذي وضع خطة محكمة لسكّ عملة إسلامية مستقلة بتحديد أوزانها وأحجامها ونقوشها وآليات التعامل بها.
وخلص الشيخ الجبوري من هذه السيرة إلى ثلاثة دروس: أن الاستقلال الاقتصادي شرط أصيل لتحرير الإرادة من هيمنة الخارج، وأن القدرة على اتخاذ القرار في مواضع الأزمة هي علامة الدولة الراسخة، وأن عالم الدين يجب أن يكون حاضراً في الميدان وقت الحاجة لا غائباً خلف الجدران، كما كان الإمام الباقر الذي رسّخ دعائم الدولة الإسلامية دارئاً للمفسدة ولو كان على خلاف مع حاكم زمانه.
وختم الشيخ الجبوري خطبته الأولى بالدعوة إلى التدبر الفعلي في القرآن الكريم، وبناء مجتمع قائم على المحبة والتسامح وإعطاء كل ذي حق حقه ومواجهة الظلم بوجه صريح لا يُداهن ولا يُهادن، وأن تسود شريعة الله في الأرض عبر دولة لا تنحني لخائن ولا تنصر ظالماً.
الخطبة الثانية: معسكران لا ثالث لهما.. والمقاومة تصنع النصر والاستسلام يصنع المستعمَرة
افتتح الشيخ الجبوري خطبته الثانية بتقرير حقيقة جوهرية: أن الفرق شاسع بين ما ينبغي أن تكون عليه الأمة وبين ما هي عليه اليوم، فحين تمتلك دول القوة والعدة والعتاد وتُعدّ وتستعد يحسب لها ألف حساب، في حين نجد بعض الدول تمتلك المال دون الإرادة، وأمرها مرهون بيد الخارج. وأطلق حكماً قاطعاً: «لا خير في دولة أمرها مرهون بيد الخارج، فهذه ليست دولة وإنما مستعمَرة مرهونة بإرادة الآخرين».
ووصف الشيخ المشهد الدولي الراهن بأنه يقوم على معسكرين لا ثالث لهما: معسكر الحق والإسلام وأولياء الله، ومعسكر أمريكا ومن معها ممن يريدون دمار الأمة، واستعباد الشعوب ونهب ثرواتها.
ونبّه إلى خطر الانخداع بوسائل الإعلام أو الجبن في مواجهة الباطل الذي يُمثّله الشيطان الأكبر الساعي إلى فرض إرادته على بلاد المسلمين.
واستشهد سماحته بتجربة المقاومة نموذجاً حياً على ثمرة الإعداد الحقيقي؛ فحزب الله الذي أعدّ وهيّأ واستعد بات يضع الكيان الصهيوني في حيرة أمام طائراته الانقضاضية رغم قلة العدد والحصار حتى من بعض أبناء جلدتهم. وكذلك أبناء اليمن والمقاومة في العراق الذين رفضوا الاستسلام وصنعوا قرارهم بأنفسهم، مؤكداً أن دلائل النصر باتت واضحة رغم غلاء ثمنه بالدماء والأرواح، وأن طريق النصر قادم لا محالة لأنه مبني على التوكل على الله والإيمان بوعده.
وتحدث الشيخ الجبوري عن الجمهورية الإسلامية في إيران وما أعدّته لهذا اللقاء الحتمي، مشيراً إلى الاعتداء الأخير على مناطق قرب بندر عباس واصفاً الردّ الفوري عليه بأنه رسالة واضحة للعدو بأن القوة لا تُقابَل إلا بالقوة. وميّز بين هذا الموقف وموقف دويلات الخليج التي تمتلك المال ولا تمتلك الإرادة، إذ تحتضن قواعد عسكرية أجنبية لا تخضع لسيادتها بموجب القانون الدولي، وبالتالي فإن أي اعتداء من هذه القواعد هو اعتداء من الدولة التي أنشأتها لا من الدولة المضيفة، وهو ما يجعل الرد عليها حقاً شرعياً وقانونياً مكفولاً.
وختم الشيخ الجبوري خطبته بدعاءٍ متوجهاً فيه إلى الله أن يجعل القلوب مطمئنة بوعده، ثابتة على موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وأن ينزل النصر على أبناء الأمة الرافضين للتطبيع والذل، وأن يهدي الحكام إلى طريق عزة الأمة، وأن يتغمد أرواح شهداء المقاومة وقادتها بواسع رحمته، داعياً بالأمن والأمان لبلاد المسلمين وبالشفاء لجرحاها ومرضاها.














