خطيب مدرسة الإمام الخالصي: حصر السلاح يتطلب دولة ذات سيادة وقرار.. وتجارب داعش والبوسنة تحذّر من تجريد الأمة من قوتها
الكاظمية المقدسة – الجمعة، 1 ربيع الأول 1448هـ / 14 آب 2026م
أكد خطيب مدرسة الإمام الخالصي، سماحة الشيخ أسامة الخالصي (حفظه الله) أن حصر السلاح بيد الدولة يقتضي وجود دولة ذات سيادة وقرار مستقل، قادرة على مواجهة أي اعتداء على البلاد، محذراً من أن يؤدي تسليم السلاح إلى تجريد الأمة من عناصر قوتها وتركها مكشوفة أمام الأخطار، مستحضراً تجارب العراق مع تنظيم «داعش»، ومجازر البوسنة والهرسك وصبرا وشاتيلا.
وشدد، خلال خطبتي صلاة الجمعة التي أمّ فيها المصلين في مدينة الكاظمية المقدسة، على أن كثرة المسلمين العددية لا تحقق القوة ما لم تقترن بالوعي والثبات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواجهة مشاريع الهيمنة، مؤكداً في الجانب الإيماني أن العبادة الحقة تقوم على معرفة الله تعالى وتجسيد التقوى في السلوك والعمل والمعاملات، وأن مسؤولية الإنسان تمتد من نفسه إلى أهله ومجتمعه.
الخطبة الأولى | العبادة عن معرفة.. ومسؤولية الإنسان أمام الله والرسول والمجتمع
استهل الشيخ الخالصي الخطبة الأولى بالوصية بتقوى الله تعالى ولزوم أمره والتمسك بكتابه وعترة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، مستشهداً بحديث الثقلين، ومؤكداً أن التقوى والتمسك بسنة الرسول سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.
وأشار، في حديثه عن ذكرى رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى واستقبال ذكرى مولده المبارك، إلى أن الرسالة المحمدية جاءت رحمة للعالمين، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وتوقف عند ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أن للناس أمانين من العذاب؛ رُفع أحدهما برحيل النبي (صلى الله عليه وآله)، وبقي الآخر وهو الاستغفار، داعياً إلى العودة إلى الله واستشعار مسؤولية الإنسان في الحياة، إذ لم يُخلق عبثاً، وإنما لأداء تكاليف محددة.
وبيّن أن أول هذه التكاليف هو مسؤولية الإنسان أمام الله تعالى، انطلاقاً من قوله سبحانه:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، موضحاً أن العبادة لا ينبغي أن تقوم على التقليد الأعمى، وإنما على المعرفة والوعي، مستشهداً بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): »أول الدين معرفته«، وبما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام): »إن الله عز ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه«.
وأكد أن المعرفة الحقيقية بالله تظهر في السلوك اليومي؛ فالتاجر والموظف والكاسب مطالبون بتقوى الله في البيع والشراء وخدمة الناس وأداء الأعمال، ولا يصح اتخاذ الغش أو الرشوة أو التقصير وسيلة لتحقيق الرزق، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
وانتقل سماحته إلى مسؤولية الإنسان تجاه النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، مؤكداً أن طاعتهم امتداد لطاعة الله تعالى، وأن معرفتهم لا تُختزل في الأسماء والألقاب وتواريخ الولادة والاستشهاد، بل تكون بمعرفة سيرتهم وجهادهم وحكمتهم وصبرهم ومواقفهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاقتداء بهم في الحياة.
وتناول بعد ذلك مسؤولية الإنسان تجاه نفسه، مستشهداً بما ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام): »صُن نفسك عن عار العاجلة ونار الآجلة «، موضحاً أن الإنسان، كما يحرص على حماية جسده من المرض، أولى به أن يحمي قلبه وروحه من المعاصي والذنوب.
وأكد أن التكليف لا ينتهي بإصلاح الإنسان نفسه، بل يمتد إلى أهله ومجتمعه، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، داعياً إلى فهم المسؤولية بوصفها تكليفاً متكاملاً أمام الله ورسوله والنفس والمجتمع.
الخطبة الثانية | السيادة والدفاع عن الأمة.. لا حصر للسلاح بلا دولة قادرة على مواجهة العدوان
وفي الخطبة الثانية، ربط الشيخ الخالصي بين قيام دولة الحق والالتزام بما أمر الله ورسوله، مستشهداً بحديث النبي محمد (صلى الله عليه وآله):
»يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها«، مبيناً أن مشكلة الأمة ليست في قلة العدد، وإنما في تحول الكثرة إلى »غثاء كغثاء السيل« بسبب الوهن المتمثل بحب الدنيا وكراهية الموت.
وأكد أن التعلق بالدنيا يدفع الإنسان إلى التخلي عن مبادئه، ويضعف فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الأمة فقدت جانباً من قوتها عندما تخلت عن هذه المسؤولية، رغم أن المسلمين يقاربون ملياري إنسان ويمثلون قوة بشرية كبيرة، مشيراً إلى أن من يتصدى اليوم للمشاريع الاستعمارية والصهيونية ويرفض الاستسلام لها يمثل ما وصفه بـ«محور المقاومة«.
وانتقد سماحته ثقافة الاستسلام التي تُروَّج تحت شعار أن الأمة تريد السلام ولا طاقة لها بمواجهة القوى الاستعمارية، مستحضراً معركتي بدر وأُحد؛ ففي بدر تحقق النصر رغم قلة العدد والإمكانات بسبب الإخلاص والطاعة والثبات، بينما أدت مخالفة أوامر النبي (صلى الله عليه وآله) والانشغال بالغنائم في أُحد إلى الهزيمة.
وأوضح أن درس التاريخ يتمثل في أن القوة لا تقاس بالعدد والإمكانات وحدهما، وإنما بالثبات على المبادئ وطاعة الله، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ومؤكداً أن سيرة النبي وأهل البيت (عليهم السلام) قامت على مواجهة الباطل والدفاع عن الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الشأن العراقي، توقف الشيخ أسامة الخالصي عند الدعوات إلى تسليم السلاح، متسائلاً عن الضمانات التي تحول دون عودة تنظيم «داعش» والجماعات التكفيرية والتفجيرات والمفخخات وسقوط الضحايا من جديد.
وأكد أن السلاح ينبغي أن يكون في إطار الدولة، لكنه يجب أن يبقى فعالاً وقادراً على مواجهة أي اعتداء على سيادة العراق، من أي دولة كانت، وألا يُسمح للعدو بالتحكم في البلاد مرة أخرى.
واستحضر في هذا السياق مجازر البوسنة والهرسك وصبرا وشاتيلا، إلى جانب تجربة دخول «داعش» وسيطرته على معظم المحافظات، معتبراً أن هذه الوقائع القريبة ينبغي أن تبقى حاضرة عند مناقشة قضية السلاح والدفاع عن البلاد.
وشدد الشيخ أسامة الخالصي على أن »السلاح يُحصر في يد الدولة، ولكن يجب أن تكون الدولة ذات سيادة، ذات قرار«، وقادرة عند تعرض البلاد للاعتداء على أداء واجبها في الدفاع عنها، مؤكداً أنه إذا لم تتوافر هذه السيادة والقدرة، فلا معنى لحصر السلاح أو تسليمه بما يجعل البلاد مكشوفة أمام أعدائها.
وربط سماحته هذا الموقف بالوعي الحسيني والكربلائي، مؤكداً أن إحياء واقعة الطف يعني استيعاب أبعادها في مواجهة الظلم والباطل والدفاع عن الحق والثبات على المبادئ.
واختتم خطبته بالدعاء لتعجيل فرج الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ونصرة الإسلام والمسلمين، وإصلاح شؤون الأمة، وشفاء المرضى والجرحى، وتفريج كرب المكروبين وفك الأسرى، والثبات على نهج الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله).









