خطيب مدرسة الامام الخالصي: تسليم سلاح المقاومة خيانة.. وشرّ الناس من ادّعى ولاية إمام ولم يعمل بها
الخطبة الأولى: روحانية رجب ومنهج أمير المؤمنين (عليه السلام) في بناء الدولة
افتتح سماحة الشيخ الدكتور علي عبدالعزيز الجبوري عضو الهيئة العلمية لمدرسة الامام الخالصي، خطبته الأولى في مدينة الكاظمية المقدسة، بتاريخ 13 رجب 1447هـ الموافق 2 كانون الثاني 2026م، بالتأكيد على فضل شهر رجب الأصب، واصفًا إيّاه بأنه شهرٌ تتنزّل فيه الرحمات، وتُستجاب فيه الدعوات، لما يحمله من نفحاتٍ ربانية وفرصٍ عظيمة للتقرب إلى الله تعالى عبر الذكر، والدعاء، والعبادة، وصيام بعض أيامه.
وأشار سماحته إلى أهمية التفاعل الروحي والفكري مع المناسبات والذكريات العطرة التي تخللت هذا الشهر المبارك، ومنها: ذكرى شهادة الإمام علي الهادي (عليه السلام)، وولادة الإمام الباقر، والإمام الجواد، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، إضافة إلى ذكرى وفاة جبل الصبر السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليها السلام).
وأكد الشيخ الجبوري أن هذه الذكريات تمدّ الأمة بدروسٍ حياتية عظيمة، وتُسهم في ترسيخ الوعي الإيماني، تحت راية الإسلام الحق، وعلى هدي النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، ومسيرة أئمة الهدى (عليهم السلام).
وفي سياقٍ متصل، تناول سماحته بيان مدلول قوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، مشيرًا إلى أن هذه الآية تُجسِّد المسؤولية الكبرى التي يتحملها المتصدّرون للحكم عندما يُمكّنهم الله في الأرض. وبيّن أن خير مصداق عملي ونموذجي للقيادة الإيمانية الصالحة هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، داعيًا إلى الاقتداء بنهجه لكل من أراد أن ينال سعادة الدنيا وكرامة الآخرة.
وأوضح سماحته أن الإمام علي (عليه السلام) لم يُقِم دولته على أسس القوة والغلبة، بل على منظومة متكاملة من القيم الإلهية والإنسانية، قوامها العدل والحق، والكرامة الإنسانية، والمسؤولية أمام الله والناس، واحترام الشريعة والقانون.
وأكد الشيخ الجبوري أن هذا النهج يُمثّل السبيل الحقيقي لإقامة دولة العدل الإلهي، وتحقيق السلم والعدالة الاجتماعية.
منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) في بناء الدولة: مبادئ وقيم خالدة
وقدّم سماحته عرضًا تفصيليًا لأبرز المبادئ التي اعتمدها أمير المؤمنين (عليه السلام) في إدارة دولته، ومن أهمها:
1- الحق والعدل لا الغلبة والتوافقات: تقوم الدولة في فكر الإمام على الحق والعدل، لا على الغلبة أو الصفقات السياسية البعيدة عن مطالب الأمة، مؤكدًا أن الحاكم مقيّد بالشرع وليس فوق القانون. وقد عبّر الإمام عن ذلك بقوله: (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر).
2- العدل أساس الملك: شدد سماحته على أن العدل هو عمود الدولة وسبب بقائها، ولا فرق في تطبيقه بين الحاكم والمحكوم، مستشهدًا بقول الإمام (عليه السلام): (العدل يضع الأمور مواضعها)، رافضًا بذلك أي تمييز طبقي أو قبلي في منح الحقوق والعطاءات.
3- صون كرامة الإنسان وحقوق الرعية: أوضح سماحته أن من أهم وظائف الدولة حفظ كرامة الإنسان وحقوق الرعية، بغض النظر عن دينه أو طبقته، مستشهدًا بعهد الإمام لمالك الأشتر: (واعلم أن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).
4- المسؤولية والمحاسبة: أكد أن الحاكم مسؤول أمام الله والناس، ويتحمّل تبعات عمله، مشيرًا إلى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يراقب ولاته ويحاسبهم بدقة، حتى عاتب والي البصرة لمجرد تلبيته دعوة مأدبة، قائلًا: )إن عملك ليس بطُعمة، ولكنه في عنقك أمانة). فالدولة ليست ملكًا للحاكم، بل أمانة في عنقه.
5- الكفاءة فوق المحسوبية: شدد سماحته على ضرورة اختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والأمانة والخبرة، لا على أساس المحاباة أو الانتماء الحزبي أو الأسري، مستشهدًا بوصية الإمام لمالك الأشتر: (لا تولِّهم محاباةً وإثرة)، مؤكدًا أن الاختيار الصحيح يضمن الاستقرار وعدالة توزيع الحقوق.
6- السياسة رسالة أخلاقية: بيّن سماحته أن السياسة في فكر الإمام علي (عليه السلام) رسالة أخلاقية، وليست وسيلة للسلطة، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة، بل إن السياسة هي رعاية مصالح البلاد والعباد في إطار الإسلام.
كما رفض الإمام استغلال السلطة والمال العام، وكان يعزل الولاة الفاسدين فور ثبوت التهم عليهم، دون اعتبارٍ لقربهم أو نسبهم أو انتمائهم.
وفي ختام الخطبة الأولى، شدد سماحته على أن النجاة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالسير على هذا النهج الإسلامي الحق، مستشهدًا بقول الله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران:85.
الخطبة الثانية: انتقادات سياسية ومواقف من قضايا الأمة
افتتح سماحته الخطبة الثانية بتسليط الضوء على الواقع السياسي العراقي، منتقدًا الصراعات المحتدمة على المناصب والمواقع السيادية، والتي أسهمت في تهميش خيارات الشعب العراقي.
وأشار إلى أن ما يُسمّى بـ التوافق السياسي القائم على المحاصصة، والذي يقسّم رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة الجمهورية للأكراد، ليس إلا تقسيمًا موروثًا من الاحتلال الأمريكي، لم يُنتج سوى مزيد من الفساد والانقسام والشلل المؤسسي.
سلاح المقاومة.. شرف الأمة وخط الدفاع الأول
وفيما يخص الدعوات المطالِبة بتسليم سلاح فصائل المقاومة، أكد سماحته أن ذلك يعني الاستسلام والخضوع الكامل للمخططات الأمريكية، موضحًا أن من يسلم سلاحه كمن يسلم شرفه لفاسدٍ لا يرعى حرمةً ولا يصون كرامة.
وأضاف أن القوة والثبات في الموقف، ورفض الإملاءات الخارجية، يمثلان الولاء الحقيقي لأئمة الهدى، والتولي الصادق لأمير المؤمنين (عليه السلام)، محذرًا من أولئك الذين يدّعون الولاية ولا يعملون بها.
فلسطين في ضمير الأمة.. ورفض لمشاريع التقسيم
وفي ختام خطبته، تطرق الشيخ الجبوري إلى الجرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، مستنكرًا الصمت العربي والإسلامي المريب تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون من اعتداءات يومية بحق أهل الأرض.
وأشاد في الوقت ذاته بـ المقاومة الفلسطينية، وصمود قادتها ومجاهديها، مؤكدًا أن طريق القدس يُعبّد بدماء الشهداء وثبات المخلصين الذين لا تفتنهم مشاريع التطبيع ولا تُرهِبهم آلة البطش الصهيونية.
كما أدان سماحته بشدة مشاريع التقسيم التي يقودها الكيان الصهيوني وأدواته في المنطقة، والتي تهدف إلى تمزيق وحدة الأمة وتفتيت الجغرافيا العربية خدمةً لمصالح تل أبيب، مشيرًا إلى ما يحدث في السودان من نزاعات وانقسامات مدفوعة، وما تشهده اليمن من قصف واستنزاف دموي.
وفي السياق ذاته، حذر سماحته من دعوات الانفصال في "أرض الصومال"، التي تسعى قوى الهيمنة إلى تكريسها، مستنكرًا الاعتراف الصهيوني المباشر بهذا الكيان الانفصالي، معتبراً ذلك سابقة خطيرة في ملف التقسيمات المشبوهة، وخرقًا لسيادة الأمة الإسلامية، ومحاولة مكشوفة لاختراق القرن الإفريقي بوابةً للنفوذ الصهيوني والابتزاز الجيوسياسي.
وأكد سماحته أن الخاسر الوحيد من كل هذه المشاريع هم أبناء الأمة من العرب والمسلمين، فيما يبقى المستفيد الأوحد هو العدو الصهيوني، الذي لا يرقب في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمة.