الرئيسية / المقالات / مقالات مختارة

  • الحسين شاهد التاريخ - المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي

  • الحسين شاهد التاريخ - المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي
    2025/08/06

    الحسين شاهد التاريخ[1]

    المسيرة الإنسانية عبر تاريخها الطويل كانت محصلة الصدام الحاسم بين الظلمة والنور، وبين الشر والخير، وكانت هناك شواهد للجانبين؛ فأئمة يهدون إلى الحق بإذن الله، وأئمة ضلال يصدون عن ذكر الله وعن الحق.

    فمن عهد أبينا إبراهيم، وإلى زمن يعقوب وبنيه، وعهد موسى وعيسى (عليهم السلام)، انحاز أهل الحق إليه عبر هذه الشواهد المقدسة، حتى جاء النبي الخاتم محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث ختم الله بنبوته الأنبياء، وأنزل القرآن آخر الكتب المقدسة، والتي تكفل الباري بحفظه؛ لكي تبقى المعجزة الإلهية كاملة مصونة في الأرض.

    وكان المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) النبي الأعظم، الشاهد على كل صراع الحق ضد الباطل؛ إذ خُتمت به النبوات، وجعله الله تعالى الأسوة العظمى، ومدح فيه أعظم الخصال، وهي الخلق العظيم.

    ولكن، هل يتوقف الاختبار الإلهي لبني البشر بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

    الجواب القطعي: كلا.

    فالخالق العظيم يخاطب المؤمنين في عصر الرسالة، كما يخاطبنا في عصرنا الحاضر: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران :144).

    فكان لا بد للبشرية الممتحَنة، بعد رحيل خاتم الأنبياء، من شواهد شامخة تقرّبهم من الهدى، وتبعدهم عن الردى. وكان من اللازم لهذا الشاهد التاريخي العظيم أن يكون على مستوى الرسالة الخاتمة العظمى، والنبي العظيم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان شرطاً لازماً فيه ألا يكون شاهداً على مسيرة الحق فقط، وإنما يجب أن يكون مانعاً من اختلاط الحق بالباطل؛ أي أنها ستكون فيصلاً قطعياً واضحاً بين الجاهلية والإسلام، بحيث لا يختلط الأمر على أحد بعد وضوح هذا الشاهد العظيم.

    فمن يمكنه أن يكون في مثل هذا المقام؟

    أليس الأجدر والأولى بهذا المقام، سبط الرسول العظيم، وحبيبه، وريحانته من الدنيا: الحسين بن علي؟

    وفاطمة، وعليّ، هو الفاروق الأعظم، وفاطمة هي سيدة نساء العالمين.

    ولكي يبقى هذا الشاهد شامخاً أمام كل البشر، خصوصاً أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن النبي الأعظم قد مهّد وأشار كثيراً إلى موقع الحسين في هذه الأمة؛ فأحاديث النبي الشهيرة أكثر من أن تُجهل أو تُنسى، وقد وردت في كل كتب الحديث المعروفة بين أبناء الأمة، فحديث: (حسين مني وأنا من حسين)، وحديث: (حسين سبط من الأسباط)، وحديث: (أحبّ الله من أحبّ حسيناً)، والحديث عن الحسين وأخيه الأكبر الحسن (عليهما السلام): (هذان ابناي، إمامان، قاما أو قعدا)، إضافة إلى الممارسة الدائمة في إظهار حب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لسبطيه الحسن والحسين، وحملهما على كتفه، وإظهار مودتهما أمام الناس، بل والإشارة إلى شهادة الحسين العظمى مع أهل بيته في كربلاء، والبكاء على الحسين كما ثبت في العديد من النصوص؛ كلها إشارات قاطعة على موقع الحسين، وهو الشهادة الكبرى في التاريخ، على صراع الحق ضد الباطل.

    لذلك، عندما خرج الحسين إلى كربلاء، استودعه عبد الله بن عمر باكياً، وقال له: «استودعك الله من شهيد».

    ولهذا، بقي ذكر الحسين قائماً في ضمير الأمة، محفزاً لها على الالتزام بأمر الحق، والتضحية في سبيله مهما كان الثمن المدفوع في هذا السبيل.

    وبقيت كلماته، في مسيرته إلى الشهادة العظمى، منارات حق تدعو إلى الله وطاعته، وردّ الجاهلية وأصحاب الطاغوت.

    فالحديث النبوي العظيم، الذي رواه الحسين في هذا الشأن:

    «من رأى حاكماً جائراً، مستحّلاً لحرمات الله، ناكثاً لعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يسير في عباد الله بالظلم والعدوان، ولم يأخذ عليه بقولٍ أو فعلٍ، كان حقاً على الله أن يُدخله مدخله».

    هذا الحديث أصبح منار الثورة الحسينية، وكل الثورات الإسلامية عبر التاريخ.

    وعلى هذا المنوال، خرج الثوار عبر القرون الماضية ليتأسوا بسيرة سيد الشهداء، السبط العظيم، ويقتدوا بهُداه؛ منذ ثورة التوابين، والمختار الثقفي، حتى سقوط الحكم الجاهلي الأموي، الذي سمّاه الرسول الأعظم: (المُلك العَضُوض)، والثورات التي دعت إلى حكم الإسلام، وتحقيق العدالة طوال السنوات الماضية.

    وقد انعكس اسم الحسين، وذكرى ثورته، على مجمل حركة المجاهدين الصادقين، وأثّرت حتى على الشعراء غير الملتزمين، كما قال أحدهم:

    فكم من إمام قَتلْنا

     

    وكم من رسول ذبحنا

    وهو يصلي صلاة العشاء

    فتاريخنا كله محنةٌ،

     

    وأيامنا كلها كربلاء

    ويقول أيضاً، راثياً ابنه:

    فلا أحد في شوارع لندن يبكي علينا

     

    يحطمنا الموت كصفصافتين


    فأذكر حينَ أراكَ علياً

     

    ونذكر حين تراني الحسين

    ويقول أيضاً:

    اسمح لنا أن نشرح القضية؛ قضية الحسين،

    جرت لنا معركة حربية على تراب كربلاء،

    سار إلى الحكام في صروحهم،

    يكشف روح الشر في عروشهم،

    يزيل لون الخير عن شرورهم،

    فقال فيهم قولة قصيرة،

    ناداهم من لفحة الهجيرة:

    أنتم طغاة فاسقطوا،

    أو أفعوانٌ أرقطُ،

    ينهش في لحومنا،

    ويسفك الدماء من قلوبنا.

    وقبل ذا، قد حاولوا إغراء هذا الفارس:

    بالعزِّ والمواهب،

    بالمال والمناصب،

    وعاودا تخويفه بالمنتهى الرهيب،

    إذا به يرد كاللهيب:

    إني على درب الإبا

     

    لا أعرفُ الخُضوع والمساومة

    بل ثائرٌ في كل أمر مُجتبى

     

    وكاتب صحائف المقاومة

    هكذا يفي الحسين، وهكذا استمر حتى ثورة العشرين الكبرى في العراق، والخطاب الذي أُلقي في صحن مقام الحسين بالذات لإعلانها، وإلى الثورة الإسلامية في إيران، والمقاومة في لبنان وفلسطين وباقي أنحاء العالم الإسلامي.

    ولكي تستمر هذه الحالة وتتصاعد، لا بدَّ من أن نعي الثورة الحسينية وعياً واقعياً نهوضياً، وعلى أساس الاستمرار على الخط والاقتداء بالمنهج، كما قال الحسين عن نهضته: "إن لكم فيّ أُسوة."

    إنها مسيرة المواجهة مع الجاهلية والطغيان والاستكبار، إنها الدعوة إلى العودة إلى كتاب الله وسنّة رسوله، ونبذ البدع المستحدثات، ومواجهة الأنظمة الجاهلية الظالمة.

    إنها مقاومة الحكومات التي تستلب السلطة من الأمة، وتتّخذ مال الله دِوَلاً وعباده خِوَلاً، والحسين شاهد التاريخ على الصراع؛ يقول لنا ما قاله جده المصطفى (ص): "من لم يواجههم بقولٍ أو فعلٍ، كان مصيره كمصيرهم."

    أما أن نفهم ذكرى الحسين والثورة حزناً وبكاءً، ولا نُشارك في التصحيح والمقاومة، ولا نقدم التضحية في سبيل الله، فهذا ليس منهجاً حسينياً.

    ومن هذا الفهم التاريخي الجهادي تُقدّر قيمة المجالس الحزينة، أو العزاء الحسيني؛ فهو إحياء لذكرى الشهادة والفداء، وليس مجلس حزن وبكاء، وإنما تنزل الدموع الصادقة بشكل طبيعي لتؤدي رسالة الجهاد والمقاومة.

    ولا خير في بكاء لا يؤدي إلى صرخةٍ من وجود الظالمين، ولا في دموعٍ لا تُشكّل سبيلاً يقتلع جذور المستكبرين.

    إنّ التأكيد القرآني على إحياء أمر الشهداء والمجاهدين، كقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ...) (آل عمران:146).

    وقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) (آل عمران:169).

    وقوله تعالى عن الصحابة المجاهدين (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ) (آل عمران:172).

    يتجسّد بذاته في سيرة المصطفى، التي أرساها إحياءُ نهج الحسين وثورته، والتي أكّدها الأئمة من آل بيت الرسول (عليهم السلام) فيما بعد.

    لقد أرادوا منّا أن نستعيد ذكرى السبط الشهيد، وذكرى كربلاء؛ لنسطّر ملاحم دائمة في الجهاد، تجعل من كل يومٍ عاشوراء، ومن كل أرضٍ كربلاء، حتى ينتصر الحسين من جديد بإقامة دولة الإسلام الواحدة في الأرض كلها، كما انتصر منذ البداية، عندما أثبت بدمه شهادته العظمى على صراع الحق الأبدي ضد الباطل والظلم والعدوان.



    [1] مقالة بقلم المرجع الديني المجاهد سماحة آية الله الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) نشرت في  كتاب »الأمْنُ الإسْلاَميّ وَمُسْتَقْبَلُ الأُمّةِ«، للكاتب حميد حلمي زادة، الصفحات: 531 – 534، الناشر: مؤسسة البلاغ – بيروت، لبنان، الطبعة الأولى:  1425هـ / 2004م.