في وداع الإمام الخالصي: دمعٌ وعهد لا ينكسر
لقد شرّفني الله، رغم ما في اللحظة من ألم وثِقل، بأن أكون أحد الذين نالوا شرف مرافقة فقيدنا الكبير، المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد مهدي الخالصي (رضوان الله تعالى عليه)، في أيامه الأخيرة داخل المستشفى.
وكان إلى جواره، ملازمًا له لا يفارقه، الشيخ حسن الشيخ هادي الخالصي، يتولّى شؤونه بكل رفقٍ وإخلاص، يواكب حالته الصحية لحظة بلحظة، كأوفى ما يكون الابن لأبيه، والمحبّ لشيخه وأستاذه ومُلهمه.
وتشرّفت، بمعيّته، أن أكون حاضرًا في تفاصيل تلك المرحلة العصيبة، أشارك في متابعة شؤون الفقيد، وأشهد من قرب لحظات لا تُنسى… حتى جاءت ساعة الرحيل، تُعلنها السماء بصمت، وتبكيها الأرواح قبل العيون.
وفي السطور الآتية، أدوّن ـ بتوفيق الله ـ ما شهدته لحظة بلحظة، وفاءً لهذا العالم المجاهد، وتوثيقًا للتاريخ، وحفظًا لسيرة رجلٍ قضى عمره في العلم والجهاد والثبات على الحق.
لحظة النداء
في مساء الجمعة، 21 تشرين الثاني 2025م، وفي ساعة متأخرة من الليل، نادى الفريق الطبي المشرف على علاج الفقيد، الشيخ حسن الخالصي، وقال له بصوت تختلط فيه المهنية بخشية الفقد: "تفضل بالدخول… واقرأ له ما تيسّر من القرآن، فهذه قد تكون ساعاته الأخيرة، وقد لا تشرق عليه شمس الغد."
مشى بخطوات مثقلة، كأن الأرض تبطؤ لتواسيه. وحين وقف عند رأسه الطاهر، بدأ يتلو من آيات الذكر الحكيم، بصوتٍ مرتجف ودموعٍ لا تُرى ولكن يُسمع وجعها.
وفي لحظةٍ يختلط فيها الحب بالحزن، كتب كلماتٍ من القلب، طواها في قصاصة ووضعها تحت وسادته كأنها عهدٌ أبدي، لا يُقال بالصوت، بل يُترك لروح الفقيد أن تهمس به حين تشتاق: " يعزُّ عليّ أن أناديك فلا تجيبني… وأن تطلبني فلا أُلبيك."
ساعة الفقد
في صباح اليوم التالي، السبت الأول من جمادى الآخرة 1447هـ / 22 تشرين الثاني 2025م، وقبيل الساعة الواحدة ظهرًا، تلقيت اتصالًا من الأخ والصديق العزيز، الشيخ حسن الخالصي.
قال بصوت تختنق فيه العَبرة: "السلام عليكم، علي… عظم الله لكم الأجر."
ففهمت أن الفقد قد وقع… وسكنت للحظة، ثم نطقت: "إنا لله وإنا إليه راجعون، عظم الله لنا ولكم الأجر، لا إله إلا الله."
شعرت أن صفحةً من التاريخ قد طُويت، وأن نجمًا من نجوم الهدى قد أفل.
اللقاء الصامت
توجّهت إلى مدرسة الإمام الخالصي لأخذ بعض الحاجيات، وبينما كنت هناك، وهناك أخبرني أحد الإخوة أن سماحة المرجع الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) يناديني.
دخلت عليه فوجدته واقفًا على سجادته، يستعد للصلاة، والدموع تفيض من عينيه بصمت الحكماء، وقلبه يعتصره الحزن، لكنه شامخٌ في الصبر، عظيمٌ في الثبات. صافحته، فعزّيته، فبادلني التعزية، ثم قال بكلماتٍ تنضح بالألم والواجب: "ستذهب إلى المستشفى؟"، اجبته: نعم.
قال: "تابعوا مع الاخوة المعنيين الأمر وما يخص الجنازة، والتغسيل، والتشييع، والإعلان... وأنا سألحق بكم إن شاء الله."
في المستشفى: وجع اللقاء الأخير
خرجتُ مسرعًا نحو المستشفى، والعَبرة تخنقني مع كل اتصال أجريه لترتيب ما يلزم. وكان قلبي يزداد اختناقًا كلّما اقتربت من لحظة الوداع، كأن أنفاسي تُسرق منّي شيئًا فشيئًا.
حين وصلت، صعدت مباشرة إلى وحدة العناية المركزة. وكان أول ما رأيت: باب الغرفة التي احتضنت الجسد الطاهر.
عند الباب، كان يقف الشيخ حسن الخالصي، قد بان عليه ألم الفراق، وبجواره الشيخ عمار الدجيلي، وعدد من الإخوة الأحبة الذين حملوا معي همّ اللحظة وحرقتها.
لم أتمالك نفسي… غلبتني الدموع، وعانقتُ الشيخ حسن بحرارة، مواسيًا باكيًا، على طريقة أهل الجنوب في نحيبهم الصادق، ودمعهم السخيّ، ونشيجهم الذي لا يخجل من حزنه.
أما هو، فكان، رغم ألمه، يُربّت عليّ بحنان الصابر، ويطلب أن نهدأ احترامًا لسكينة المكان، كي لا يُثير الحزن ضجيجًا في ردهات المستشفى المكتظة بالأنين.
ثم انصرفتُ، مثقلًا بالحزن، مثقّلًا بالواجب… إلى أداء المهام التي أُنيطت بي، وقد شرفني الله بها رغم ثقلها: إعداد بيانات النعي، إبلاغ الناس، ووكالات الأنباء، والتجهيز لمراسم التشييع والدفن، بما يليق بمقام هذا الفقيد العظيم، وذكراه التي لن تُنسى.
مراسم الوداع: هيبة الرحيل وجلال اللحظة
عند الساعة الثانية بعد الظهر، وصل سماحة المرجع الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) إلى المستشفى، وعلى وجهه سيماء الصبر رغم الأسى، وفي قلبه وجيب الفقد الكبير، وألقى على الجثمان نظرة وداع، وقرأ عليه سور الفاتحة، والقدر، ويس.
ثم أوصى بنقل الجنازة إلى مغتسل الكاظمية لإتمام مراسم الغُسل والتجهيز، وفق ما يليق بمقامه الرفيع، ومكانته في قلوب الناس.
نُقلت الجنازة بسيارة الأخ المجاهد الحاج جواد ناظم الأسدي، برفقة الشيخ حسن وعدد من الإخوة الأوفياء الذين لازموا الإمام حيًّا وميّتًا.
حيث بدأ الغُسل عند الساعة 2:30، بإشراف مباشر من سماحة المرجع (دام ظله)، وبحضور المحبين والمقرّبين؛ الذين شرفهم الله بخدمة هذا العالم الرباني.
وقد تولّى الغُسل الأخ حسين عيسى الزبيدي، في مشهدٍ تغشاه السكينة، ثم جُهّز التابوت، ووُشِّح بغطاء أخضر مبارك جيء به خصيصًا من قبل الشيخ يوسف المحمداوي، وهو غطاء جنائزي شريف، يُصنع في مكة المكرمة، كُتبت عليه آياتٌ كريمة، منها آية الكرسي، و الشهادتان، وتعلوه صورة الكعبة المشرفة، والمدينة المنورة، وعبارة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهو غطاء يُكرَّم به العلماء والوجهاء من أهل الفضل والعلم.
ثم كُسِي النعش الكبير بوشاح أسود خاص بأهل العلم، جيء به من موكب الجمهور، وثُبّتت عليه عمامة الفقيد، ورُصّع بالآيات الكريمة:﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، بالإضافة إلى أسماء الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، تخليدًا لعهده معهم، ومكانته في خطهم الشريف.
من المغتسل إلى مدرسة العلم: موكبُ المجد والوفاء
انطلق الموكبُ الجنائزي المهيب، يعلوه الخشوع وتُظلّله الرحمة، حاملاً جثمان الفقيد على متن سيارة الأخ علي إبراهيم المكدمي، ومتوجهًا إلى مدرسة الإمام الخالصي قرب الصحن الشريف.
كانت الجموعُ الغفيرة تحيط بالموكب من كل اتجاه؛ محبّون، وأبناء الأمة من مختلف المناطق، كأن بغداد كلّها خرجت لوداع رجلٍ لم يكن لنفسه، بل لأمته ورسالتها.
إلى ساحة العلم والذكرى
وفي مدرسة الإمام الخالصي، كان الحضور سابقًا لوصول الجثمان؛ فقد احتشد جمعٌ كبير من أهل الفضل والعلم، والأعيان والوجهاء والأكاديميين، والفضلاء وأبناء الشعب المؤمن.
ضاق المكانُ بأهله لكثرة الزحام، ووقف كثيرون خارج المدرسة، يدفعهم الشوق والوفاء إلى لحظة الوداع الأخيرة.
كلمة الوداع: عهدُ عالمٍ لعالم
في ذلك المشهد المهيب، الذي اختلطت فيه الدموع بالتكبيرات، والحزن بالهيبة، ألقى سماحة الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) كلمةً تأبينية مؤثرة، نعى فيها أخاه نعي العارف بمقامه، والمستبصر برسالته، والمُوقن بلقاء ربه. وكانت كلماته وصية للأحياء لا رثاءً للأموات، رسم فيها طريقًا لا يُمحى، ووضع خارطة لمسيرة لا تنكسر، فقال: "هذه الليلة، ليلة راحته الأولى، وهي أعظم الليالي التي تمرّ على كل إنسان بعد فراق الدنيا."
وصفه بأنه رجل لا تُشترى مواقفه، ولا تُباع كلمته، وأنه أول من رفع صوته نصرةً للمقاومة في فلسطين ولبنان، ومن أوائل المؤيدين للثورة الإسلامية في إيران، وشارك في كل جهدٍ صادق يسعى لتوحيد كلمة الأمة تحت راية الإسلام، لا رايات الطائفية، ولا أجندات التبعية.
ثم ختم كلمته بتجديد العهد، قائلاً: "هذا عهد الله بيننا وبينه وبين الجميع، ونحن نعاهد شيخنا وأستاذنا أننا على العهد سائرون."
بدء التشييع: وداع على الأكتاف
قبيل الرابعة مساءً، رُفع النعش على الأكتاف، وسط التهليل والتكبير، ومشى أبناؤه ومحبّوه حاملين صورته المباركة، وملامحهم ملْاًَ فخراً وحزناً في آنٍ معاً.
انطلق الموكب من مدرسة الإمام الخالصي، مرورًا بسوق الاستربادي، فساحة الإيراني، فشارع الشريف المرتضى، حتى وصل إلى باب المراد، وهناك، فتحت أبواب الصحن الكاظمي الشريف لتستقبل من أفنى عمره في خدمة الدين والمبدأ، ودخل الجثمان الطاهر إلى الحضرة المقدسة، كما يدخل المجاهد المنتصر ساحات الخلود.
الصلاة والدفن: عروج الجسد وخلود الأثر
وُضع الجثمان الطاهر إلى يسار الداخل من باب المراد، واصطفّ المصلّون للصلاة عليه، وامتدت الصفوف حتى المسجد الصفوي (الجامع الصفوي)، في مشهدٍ قلّ أن يُنسى، جمع فيه الفقيد شتات القلوب، ووحّد الأرواح على مائدة الفقد والوفاء.
أمّ صلاة الجنازة سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (أطال الله في عمره الشريف)، تحفّه كوكبة من العلماء والفضلاء والمؤمنين، في وداعٍ تُعانق فيه السماء الأرض.
ثم قرأ زيارة أمين الله، وكانت تلك القراءة قبيل أذان المغرب، كأنها صلاة مسافِر يتهيّأ للرحيل الأبدي.
حجرة الدفن: بين العلم والمآثر
نُقل الجثمان إلى حجرة الدفن رقم (27)، وهي الحجرة الثانية يسار الداخل من باب صافي.
بعد الصلاة، نُقل الجثمان إلى حجرة الدفن رقم (27)، وهي غرفة درس والده الإمام الشيخ محمد الخالصي (رحمه الله)، حيث يرقد صفوة من أهل الفضل من هذه العائلة العالِمة المجاهدة.
وعند الوصول، طلب سماحة المرجع (دام ظله) من الحاضرين الهدوء والسكينة، وأن يُنصت الجميع لأذان المغرب، توقيرًا لحرمة الوقت والمكان، ثم أذن لمن شاء بالخروج، ولمن أراد البقاء، شريطة ألّا يُشوّش على المصلين والزائرين.
تولّى مهمة الدفن الأخ أبو كوثر الزبيدي، الخبير بمواضع المقبرة وأسرارها، يعاونه بعض الاحبة والأعيان، وتحت إشراف مباشر من سماحة الشيخ الخالصي (دام ظله)، حيث دُفن الجسد الطاهر بالتزامن مع رفع أذان صلاة المغرب… توقيتٌ لا يُرتّب إلا بعناية الله.
شارك في لحظة الدفن كل من: الشيخ جواد الخالصي، الشيخ حسن الخالصي، الحاج أرقم البغدادي، الشيخ الدكتور علي الجبوري، وآخرون من أهل الوفاء والخدمة.
تلا سماحة الشيخ تلقين الميت بصوتٍ يملؤه الإيمان والحنان، وشاركه في ذلك الشيخ الدكتور علي الجبوري، ثم هُيّئَ اللحد، وملئ بالرمل الطاهر، وأُغلق بالآجر، وخُتمت المراسم بـ تلقين الانصراف، إيذانًا برحيل الجسد وبقاء الذكرى.
وقد دُفن الفقيد في الجهة اليسرى من الحجرة، ويُقال إنه دُفن إلى يسار والده الإمام الشيخ محمد الخالصي (رحمه الله)، في موضعٍ يُؤنس وحدة الروح بقربٍ من الجذور.
ختام الوداع: رحيل الجسد، وبقاء النهج
قُرابة الساعة الخامسة والنصف مساءً، اكتملت مراسم الدفن، وخرج من دخلوا إلى الحجرة الشريفة، ودموع الفراق تملأ أعين الأولاد، والإخوان، وسائر الأسرة، والمحبين، تترجم وجعًا لا يُوصف، وحنينًا لا يُطفأ… ثم انصرف الجمع إلى مدرسة الإمام الخالصي، حيث أقيم مجلس العزاء، وأُكمِلت مراسم التأبين.
وهكذا، أُسدل الستار على حياة رجلٍ من طرازٍ نادر، عَلَم من أعلام الجهاد والفقه، لم يعرف المساومة، ولا غادر موقعه من ثغر الأمة.
رحل الجسد… وبقي النهج، وغاب الصوت… وبقيت المدرسة.
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
علي كاظم التميمي
4 جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ /25 تشرين الثاني 2025م



















