المرجع الخالصي خلال خطبة عيد الاضحى المبارك: الأمة لا تُنصر بالعبادات الصامتة.. والفساد في العراق امتدادٌ للطغيان والاحتلال
الكاظمية المقدسة – المكتب الإعلامي – 10 ذو الحجة 1447هـ / 27 أيار 2026م
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، خلال خطبة عيد الأضحى المبارك، أن الأمة الإسلامية لا يمكن أن تستعيد قوتها ووحدتها ما لم تتحول شعائرها إلى موقف عملي في مواجهة الظلم والطغيان، محذّراً من خطورة القطيعة الاجتماعية والتشرذم السياسي، ومن الاكتفاء بالعبادات الشكلية بعيداً عن الشهادة على الحق والدفاع عن قضايا الأمة.
وشدّد سماحته على أن سنّة الأضحية تمثل مدرسةً للفداء والثبات والتضحية في سبيل الله، مستحضراً نماذج المقاومة والشهادة في فلسطين ولبنان وسائر ساحات المواجهة، مؤكداً أن دماء الشهداء تصنع الأجيال وتحفظ روح الجهاد حيّة في الأمة.
وفي خطبته الثانية، حذّر المرجع الخالصي من استفحال الفساد في العراق، معتبراً أنه نتيجة طبيعية لتراكمات الاستبداد والاحتلال والانحراف السياسي، ومؤكداً أن الخلاص الحقيقي لا يتحقق إلا بالعودة إلى شريعة الله ووحدة الأمة ورفض مشاريع التفتيت والهيمنة الأجنبية.
الخطبة الأولى: الأضحية مدرسةُ الفداء ووحدة الأمة شرطُ النصر
استهلّ سماحته خطبته الأولى بتهنئة المسلمين بعيد الأضحى المبارك، معرباً عن شكره لله تعالى على اجتماع المسلمين هذا العام في يومٍ واحد، وداعياً للحجاج بالتوفيق في أداء مناسكهم وعودتهم وقد تحرروا من هيمنة الشياطين على بلدانهم ومقدساتهم.
وتناول سماحته المعاني العميقة لسنّة الأضحية، مبيناً أنها من السنن المؤكدة للمستطيعين، وأن جذورها تمتد إلى قصة الابتلاء العظيم، حين رأى نبي الله وخليله إبراهيم (عليه السلام) في منامه أنه يذبح ابنه، باعتبار رؤيا الأنبياء وحياً إلهياً، فاستجاب الابن المؤمن قائلاً: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، حتى فداه الله تعالى بذبحٍ عظيم.
وأوضح أن هذه السنّة لا تقتصر على البعد الشعائري، بل تحمل دلالاتٍ إيمانيةً عميقة على الثبات أمام التحديات والاستعداد للتضحية بالنفس والولد في سبيل الله، مشيراً إلى أن الأمة شهدت في هذا العصر نماذج حيّة لهذه التضحية، من الأمهات اللواتي قدّمن أبناءهن شهداء بصبرٍ وإباء، ومن المجاهدين الذين اختاروا طريق المقاومة بدل الاستسلام.
وأشار سماحته إلى استشهاد عدد من قادة المقاومة لاسيما القائد الجديد لحركة حماس، مؤكداً أن الساحات لا تفرغ برحيل القادة، لأن دماء الشهداء تُنبت جيلاً جديداً من المقاومين وتُرسّخ ثقافة الصمود والجهاد في الأمة.
وانتقل إلى محور الوحدة الإسلامية والاجتماعية، داعياً إلى جمع الكلمة ولمّ الشمل، بدءاً من العلاقات القريبة داخل المجتمع والأسرة، ومتسائلاً باستنكار عن أسباب القطيعة بين الإخوة والأقارب والجيران، والانغماس في صراعات الأحزاب والمصالح الضيقة حتى بات بعض الناس يبخلون بالسلام والكلمة الطيبة.
وأكد أن العيد يمثل فرصةً حقيقيةً لمراجعة النفس والتوبة من القطيعة وسوء الظن، مشدداً على أن الحوار واللقاء هما السبيل إلى الحل، لا الخصومة والتنازع.
وفي محورٍ آخر، حذّر سماحته من الفهم الديني الواهم القائم على الاكتفاء بالعبادات الشكلية دون اتخاذ موقفٍ من الظلم والانحراف، مؤكداً أن العبادة التي لا تقترن بالشهادة على الحق ومواجهة الباطل تفقد قيمتها الحقيقية، وأن الإنسان إذا لم يكن مع الحق فإنه سيكون – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – مع الباطل والمفسدين والطغاة.
وبيّن أن الميل القلبي إلى الظالمين والمترفين والمفسدين يُعدّ من أخطر مظاهر الانحراف، مستشهداً بقول النبي (صلى الله عليه وآله): «أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وأن تبغض في الله».
وأكد أن مسؤولية المسلم لا تحدّها الحدود الجغرافية، بل تمتد إلى نصرة المجاهدين والمستضعفين في فلسطين ولبنان وإيران والبوسنة والصين وسائر بقاع العالم، مع مراعاة اختلاف الظروف والإمكانات، موضحاً أن نصر الله تعالى لا يتحقق لجماعاتٍ متناحرة، وإنما للمؤمنين المتحابين المتوحدين الذين يجسدون حقيقة الأخوة الإسلامية.
واستشهد سماحته بقول النبي (صلى الله عليه وآله): «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، مؤكداً أن إفشاء السلام والمحبة بين الناس يمثلان أساس بناء المجتمع المؤمن القادر على مواجهة التحديات.
وختم خطبته الأولى بالإشارة إلى مشهد الوقوف في عرفة، الذي نقلته وسائل الإعلام العالمية حتى المعادية للإسلام، معتبراً أنه يجسد وحدة البشرية تحت راية الطاعة لله تعالى، وأن الأمة التي تطيع الله وتجتمع على الحق هي وحدها القادرة على الصمود بوجه الطغاة وشياطين الإنس، قبل أن يختتم الخطبة بتلاوة سورة العصر.
الخطبة الثانية: الفساد في العراق نتاجُ الاستبداد والاحتلال وعلماءُ السوء يُعمّقون الانقسام
استهلّ سماحته خطبته الثانية بالدعوة إلى التقوى الحقيقية التي تنعكس في السلوك والعمل، لا التقوى اللفظية التي تبقى حبيسة الشعارات والخطب، موضحاً أن جانب العبادات لا يشكل إلا جزءاً محدوداً من أحكام الإسلام، فيما تقوم بقية التعاليم على الأخلاق والمعاملات الصادقة وحسن التعامل والنصيحة والإصلاح.
واستشهد في ذلك بالحديث النبوي الشريف: «الدين المعاملة»، مؤكداً أن جوهر الإسلام يتمثل في إصلاح الإنسان والمجتمع، لا في المظاهر الشكلية وحدها.
وحذّر من خطورة الفساد المستشري في العراق، واصفاً إياه بالوباء الذي دمّر قدرات الشعب وأهدر ثرواته وأضعف الدولة والمجتمع، مستحضراً الآية الكريمة: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾، متسائلاً عن مدى ابتعاد الناس فعلاً عن طرق المفسدين والمخرّبين والخاضعين لإرادة الطغاة.
وربط سماحته بين واقع الفساد الحالي وبين المراحل السياسية التي مرّ بها العراق، موضحاً أن جذور الأزمة تعود إلى الحكم الاستبدادي السابق وما خلّفه من ظلم وقهر دفع الناس للبحث عن الخلاص بأي ثمن، قبل أن يأتي الاحتلال الأجنبي ليعمّق المأساة ويكرّس واقع الانهيار والهيمنة.
وأكد أن البحث عن الخلاص لا يبرر القبول بأي مشروع منحرف أو فاسد، مشدداً على أن النجاة الحقيقية لا تتحقق إلا على أساسٍ سليم قائم على شريعة الله والتمسك بالكتاب والسنة ونهج الأئمة الهداة والعلماء المجاهدين الصالحين.
كما وجّه سماحته تحذيراً شديداً للأمة من علماء السوء والمداهنين الذين يثيرون الخلافات التاريخية والطائفية بينما يتجاهلون جراح الأمة وقضاياها المصيرية، معتبراً أن هذا النهج يخدم مشاريع الأعداء ويُبقي الأمة ممزقة وضعيفة.
وأشار إلى تصاعد جرأة الطغاة والمتسلطين في التدخل بإرادة الشعوب وفرض الشخصيات والمواقع السياسية بما يخدم مصالح القوى المتنفذة، على حساب استقلال الأمة وحقوقها.
وختم المرجع الخالصي خطبته بالدعاء للمجاهدين والمقاومين في فلسطين ولبنان وغزة وإيران، سائلاً الله تعالى أن يحفظ المؤمنين المخلصين في العراق، وأن يجعل عيد الأضحى المبارك بدايةً لمسيرة إصلاحٍ ووحدةٍ وإنقاذٍ للأمة والبشرية من الضلال والفساد والطغيان.





