المرجع الخالصي: معركة الأمة اليوم امتدادٌ لرسالة الحج والغدير والمباهلة.. ولا خلاص إلا بوحدة المسلمين ومقاومة مشاريع الهيمنة
الكاظمية المقدسة – 19 ذو الحجة 1447هـ / 5 حزيران 2026م
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي(دام ظله) خلال خطبتي صلاة الجمعة التي ألقاها في مدينة الكاظمية المقدسة، أن الدروس الكبرى التي يحملها موسم الحج لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء المناسك وعودة الحجاج إلى أوطانهم، بل يجب أن تتحول إلى منهجٍ دائم في توحيد الله تعالى، وتوحيد الأمة، ومواجهة مشاريع الهيمنة والاستعمار والانحراف الفكري والسياسي، مشدداً على أن الأمة الإسلامية تخوض اليوم معركةً مصيرية في مواجهة المشروع الصهيوني وقوى الاستكبار العالمي، الأمر الذي يفرض عليها التمسك بخيار الجهاد والمقاومة، إلى جانب تحصين مجتمعاتها من مظاهر الانحلال والفساد والتبعية.
وتناول في خطبتيه دلالات موسم الحج ويوم الغدير ويوم المباهلة، ومستجدات المواجهة الدائرة في فلسطين ولبنان والمنطقة، فضلاً عن الأوضاع الداخلية في العراق وضرورة مكافحة الفساد وصيانة المجتمع من مظاهر الانحراف الثقافي والاجتماعي.
الخطبة الأولى: الحج والغدير والمباهلة.. محطاتٌ لتوحيد الأمة وتحرير الإنسان من هيمنة الطاغوت
استهل المرجع الخالصي حديثه بالتأكيد على أن انتهاء موسم الحج لا يعني انتهاء رسالته وآثاره، بل إن الواجب الحقيقي يبدأ بعد العودة إلى الديار، من خلال تجسيد معاني التوحيد والطاعة لله تعالى في واقع الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية.
وأوضح أن المسلمين الذين اجتمعوا في عرفات ومنى وأدوا المناسك في مشهدٍ وحدوي فريد، مطالبون بالحفاظ على هذه الوحدة وجعلها أساساً لبناء الأمة واستمرارها في مواجهة التحديات التي تتعرض لها، مبيناً أن مبدأ الأمة الواحدة ليس شعاراً موسمياً، بل قاعدة وجودية وحضارية تحفظ للأمة قوتها وقدرتها على الصمود.
وأشار سماحته إلى الترابط المعنوي والرسالي بين مناسبات شهر ذي الحجة، بدءاً من الحج وأيام العيد، مروراً بيوم الغدير، وصولاً إلى يوم المباهلة، مؤكداً أن هذه المحطات المباركة تجتمع على هدفٍ واحد يتمثل في دعوة البشرية إلى الإيمان بالله تعالى وتحمل مسؤولياتها في عبادته وطاعته وتوحيد كلمتها تحت راية الحق.
وبيّن أن المعركة القائمة اليوم ليست معركة حدود أو مصالح آنية، بل هي معركة لإنقاذ البشرية من مشاريع الشرك والانحراف والضلال، ومن القوى التي تسعى إلى إبعاد الإنسان عن منهج الله تعالى ودفعه إلى السير خلف الفساد والطغيان.
وأكد أن حقيقة التوحيد لا تقتصر على أداء الشعائر والعبادات فحسب، بل تتمثل أيضاً في رفض الخضوع لقوى الكفر والجاهلية والهيمنة، وعدم السير خلف إرادة المستكبرين أو مساندة المشاريع التي تستهدف المؤمنين والمستضعفين. وأضاف أن مناقضة التوحيد تظهر عندما يعلن الإنسان إيمانه بالله ثم يطيع قوى الظلم، أو يقف إلى جانب المعتدين ضد أهل الإيمان، أو يشارك في اضطهاد الفقراء والمستضعفين ومساندة أعداء الأمة.
وشدد على أن الالتزام الحقيقي برسالة الحج والغدير والمباهلة يقتضي الوقوف إلى جانب الحق والعدل والكرامة الإنسانية، ومواجهة مشاريع الهيمنة والاستعباد التي تستهدف الشعوب والأمم.
الخطبة الثانية: دعم المقاومة ومكافحة الفساد وتحصين المجتمع.. مسؤوليات المرحلة في مواجهة المشروع المعادي للأمة
وفي الخطبة الثانية، تناول المرجع الخالصي طبيعة المواجهة التي تخوضها الأمة الإسلامية اليوم، مؤكداً أن الأمة الموحدة تواجه معركةً شرسة ومصيرية تتجلى بوضوح في العدوان المستمر على غزة وما يرافقه من سفك للدماء وجرائم متواصلة يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني.
وأشاد بالمواقف الداعمة للمقاومة الفلسطينية، مستذكراً التضحيات الكبيرة التي قدمها لبنان في إطار مساندة الشعب الفلسطيني، ومثمناً موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دعم فلسطين ولبنان وقوى المقاومة في المنطقة، فضلاً عن دورها في مساندة القوى التي واجهت الجماعات التكفيرية التي سعت إلى تمزيق العراق وسائر بلدان العالم الإسلامي.
وأكد أن الواجب الشرعي والأخلاقي يفرض على الأمة دعم جميع القوى التي تتصدى لمشاريع الاحتلال والعدوان، مشيراً إلى المواقف المشرفة التي أبدتها شعوب الأمة، ومنها الشعب اليمني والشعب المصري والشعب الأردني والشعب التركي، داعياً المسؤولين في هذه البلدان إلى الوقوف إلى جانب شعوبهم وإدراك أن هذه المعركة لا يمكن أن تنفصل عن أهدافها الحقيقية.
وأوضح أن موالاة قوى الكفر والاستسلام لمشاريعها تمثل انحرافاً خطيراً نهى الله تعالى عنه، في حين أن المطلوب هو إحياء سنن الجهاد والمقاومة بوصفها ركناً أساسياً في حماية الأمة وصيانة وجودها ومستقبلها.
وتوقف سماحته عند الجرائم والانتهاكات التي تتعرض لها شعوب المنطقة، ولا سيما في لبنان، حيث تتواصل محاولات الضغط على السكان وتهجيرهم وتدمير مدنهم وقراهم، محذراً من أن المشروع ذاته الذي يُنفذ في غزة من خلال الإبادة الجماعية والسعي إلى اقتلاع السكان وتهجيرهم، يجري العمل على تكراره في أماكن أخرى من المنطقة.
وأشار إلى أن العدوان لم يتوقف عند فلسطين ولبنان، بل امتد إلى سوريا التي ما زالت تواجه محاولات التقسيم والتفكيك، كما أن العراق تعرض وما زال يتعرض لمشاريع استهدفت وحدته واستقراره وسيادته.
وفي جانبٍ آخر، دعا المرجع الخالصي إلى تحصين المجتمع الإسلامي من العادات والتقاليد الدخيلة الوافدة من الخارج، والتي أخذت تنتشر بصورة متزايدة في المجتمعات الإسلامية، مؤكداً أهمية العودة إلى دور المساجد والمؤسسات الدينية والتربوية في بناء الإنسان وصناعة الوعي.
وأشار إلى أن المجتمعات الإسلامية تواجه تحدياً ثقافياً وأخلاقياً يتمثل في تنامي النزعة الاستهلاكية والانشغال بالمظاهر على حساب القيم والرسالة، محذراً من الانجرار وراء أنماط الحياة التي تُضعف الروابط الاجتماعية وتُبعد الناس عن رسالتهم الحضارية.
كما حذر من سوء استخدام وسائل الاتصال الحديثة والهواتف المحمولة في انتهاك خصوصيات العائلات وكشف أسرار البيوت ونشر صور النساء والأطفال والحياة الخاصة للناس، مؤكداً أن ذلك يمثل تجاوزاً أخلاقياً وشرعياً خطيراً ينبغي التصدي له وحماية المجتمع من آثاره.
وفي الشأن العراقي، شدد سماحته على أن الحكومة مطالبة بالوفاء بمسؤولياتها الأساسية في مكافحة الفساد المالي والإداري، ووضع حد للهدر والسرقات والرشاوى واستغلال مؤسسات الدولة لتحقيق المصالح الشخصية والحزبية والفئوية.
وأشار إلى أن العديد من مؤسسات الخدمة العامة تعرضت خلال السنوات الماضية إلى نفوذ جماعات ومراكز مصالح استغلت موارد الدولة وأضعفت قدرتها على خدمة المواطنين، مؤكداً أن نجاح أي مشروع إصلاحي يتوقف على القدرة الحقيقية في اجتثاث مراكز الفساد ومحاسبة المتورطين فيها مهما كانت مواقعهم ونفوذهم.
ورحب بأي خطوات تُتخذ لملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم، داعياً إلى استمرار هذه الإجراءات وعدم التوقف عند حدود معينة، وصولاً إلى معالجة جذرية للفساد الذي ألحق أضراراً كبيرة بالدولة والمجتمع.
وختم المرجع الخالصي خطبته بالتأكيد على أن الواجب في هذه المرحلة يتمثل في الجمع بين تحصين الجبهة الداخلية ومواجهة التحديات الخارجية، وحماية الثروات الوطنية من الهيمنة والاستغلال، وتوحيد جهود الأمة الإسلامية في مواجهة الحرب الشاملة التي تستهدف شعوبها وقيمها وثقافتها وهويتها، داعياً المسلمين إلى التمسك بوحدتهم ورسالتهم ومبادئهم في مواجهة مشاريع العدوان والاستكبار.













