المرجع الخالصي: زيارة الأربعين تجديدٌ لعهد كربلاء في مواجهة مشاريع الهيمنة.. والصمت عن العدوان على العراق وفلسطين خيانةٌ لرسالة الإمام الحسين (ع)
الكاظمية المقدسة – 16 صفر الخير 1448هـ / 31 تموز 2026م
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) أن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست حدثًا تاريخيًا يُستذكر في موسم العزاء، بل مشروعٌ إسلاميٌّ متجدد يفرض على الأمة أن تتموضع في جبهة الحق بمواجهة الظلم والاستكبار، محذرًا من اختزال الشعائر الحسينية في مظاهر شكلية تُفرغها من أهدافها الإصلاحية.
وأوضح، خلال خطبتي صلاة الجمعة اللتين ألقاهما في مدينة الكاظمية المقدسة، أن الأمة الإسلامية تخوض اليوم امتدادًا للصراع الذي شهدته كربلاء، وأن الواجب الشرعي يقتضي نصرة الحق، ورفض الظلم، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، وعدم الانخداع بالمشاريع الهادفة إلى تمزيق الأمة وإضعافها، مؤكدًا أن الصمت عن الجرائم المرتكبة في العراق وفلسطين ولبنان وسائر بلاد المسلمين يمثل تخليًا عن المسؤولية الشرعية والوطنية.
الخطبة الأولى: كربلاء مشروعٌ دائم لإحياء الحق.. وزيارة الأربعين إعلانٌ للبراءة من الظالمين
استهل الشيخ الخالصي خطبته بالدعوة إلى تقوى الله تعالى واستحضار حقيقة الوقوف بين يديه يوم القيامة، مؤكدًا أن الحساب الإلهي قريب، وأن الإنسان مسؤول عن أعماله ومواقفه، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (المعارج: 6-7)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8).
وبيّن أن المسلم لا يُعذر بالغفلة أو الابتعاد عن قضايا أمته، بل يتحمل مسؤوليته بقدر استطاعته، مشيرًا إلى أن واقعة كربلاء تمثل أوضح صور هذا الامتحان، إذ وقف المسلمون بين الإمام الحسين (عليه السلام)، سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبين قوى الجاهلية التي سعت إلى تحويل الخلافة إلى ملكٍ عضوض، واستعباد الناس، ونهب أموالهم، ومحاربة أهل الصلاح، وهي دوافع لم تتغير عبر التاريخ وإن تبدلت أدواتها.
وشدد على أن زيارة الأربعين لا ينبغي أن تقتصر على الشعائر والمراسم، بل يجب أن تكون تجديدًا للعهد مع الإمام الحسين (عليه السلام) في رفض الظلم والوقوف بوجه المعتدين، مؤكدًا أن قيمة الزيارة تُقاس بمدى الالتزام بمبادئ النهضة الحسينية.
وأوضح أن قول الإمام الحسين (عليه السلام): «مثلي لا يبايع مثله» ينبغي أن يبقى حاضرًا في وعي الأمة، محذرًا من اختزال القضية الحسينية في طقوس منفصلة عن أهدافها؛ لأن كثيرًا ممن خذلوا الإمام الحسين (عليه السلام) كانوا يزعمون محبته، فيما اتجهت مواقفهم إلى جانب خصومه، وهو ما يؤكد أن المحبة لا تكفي ما لم تقترن بالموقف العملي.
وأضاف أن مسؤولية العلماء والخطباء والمبلغين تتضاعف في موسم الأربعين، داعيًا إلى نقل كربلاء من إطارها التاريخي إلى واقع الأمة، بوصفها منهجًا متجددًا في مواجهة الحق للباطل، لا ذكرى منفصلة عن تحديات الحاضر.
ودعا زائري الإمام الحسين (عليه السلام) إلى استثمار الزيارة في ترسيخ الوعي الإسلامي وعدم الانشغال بالمظاهر على حساب الواجبات الشرعية، مستذكرًا أهمية إقامة الصلوات جماعة والمحافظة على صلاة الفجر في المواكب.
وأكد أن صلاة الجمعة من أبرز شعائر الإسلام، وهي فريضة لا يجوز التفريط بها أو تعطيلها، مستشهدًا بقول الإمام الباقر (عليه السلام): «إن الله فرض الجمعة بشارةً للمؤمنين وتوبيخًا للمنافقين»، وبالحديث الشريف: «من ترك الجمعة ثلاثًا من غير علة طبع الله على قلبه بخاتم النفاق».
كما شدد على أن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تقوم على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، بعيدًا عن العصبيات والمشاريع الفئوية، مستشهدًا بقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال، ومن أخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله زالت الجبال ولا يزال»، مؤكدًا أن طريق النجاة يكمن في إحياء السنن ومحاربة البدع والالتزام بالقرآن الكريم والسنة النبوية.
واختتم الخطبة الأولى بالتأكيد على أن الأمة تخوض اليوم معركةً شاملة تمتد إلى ميادين السياسة والإعلام والاقتصاد والثقافة، وأن المسير إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يمثل تجديدًا للبيعة مع جبهة الحق، داعيًا المؤمنين إلى محاسبة أنفسهم بالسؤال: لو كانوا في كربلاء يوم عاشوراء، ففي أي معسكر كانوا سيقفون؟ موضحًا أن الإجابة تتجسد اليوم في الموقف من الإسلام وقضايا الأمة؛ فمن وقف مع الحق فهو في معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، ومن انحاز إلى المشاريع الصهيونية والاستكبارية فقد اصطف في معسكر أعدائه، مهما رفع من شعارات.
الخطبة الثانية: الصمت عن العدوان خيانة.. والعراق وفلسطين يخوضان معركةً واحدة في مواجهة المشروع الأمريكي ـ الصهيوني
استهل المرجع الخالصي الخطبة الثانية بالتأكيد على أن حقيقة الإيمان لا تُقاس بالادعاءات، وإنما تظهر في المواقف والثبات على المبادئ، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾(الحجرات:14)، موضحًا أن الابتلاءات هي الميدان الحقيقي الذي يُعرف فيه صدق الانتماء إلى الإسلام.
وأكد أن الأمة تخوض اليوم معركةً تمثل امتدادًا لمعركة كربلاء، وأن الثبات على الإسلام يقتضي رفض الازدواجية في المواقف، فلا يستقيم رفع شعار المقاومة مع مد اليد إلى القوى التي تستهدف الأمة، لأن التناقض يُفقد الموقف قيمته.
وانتقد محاولات تبرير الانفتاح على الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الاعتراض على بعض مظاهره المتأخرة لا يكفي مع التغاضي عن جذوره، مستذكرًا اللقاءات والزيارات التي جرت مع المسؤولين الأمريكيين في واشنطن والقواعد العسكرية داخل العراق، وعدّها بدايةً للانحراف عن الموقف الوطني والإسلامي، مشيرًا إلى قول الإمام الخميني إن رضا الولايات المتحدة عن أي جهة يستوجب منها مراجعة حساباتها.
وربط ما يجري اليوم بالمشروع الاستعماري الذي بدأ باتفاقية سايكس ـ بيكو ووعد بلفور، مؤكدًا أن أحداث المنطقة امتدادٌ لمخطط واحد استهدف الأمة منذ أكثر من قرن، مستذكرًا مواقف الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير والعلماء المجاهدين الذين رفضوا الاحتلال البريطاني وأعلنوا استعدادهم لتحمل التضحيات دفاعًا عن استقلال العراق وسيادته.
وتناول الاعتداء الأخير الذي استهدف أبناء العراق، واصفًا إياه بأنه جريمة تهدف إلى إعادة إنتاج الفتنة وإضعاف البلاد، مؤكدًا أن استهداف من حملوا السلاح دفاعًا عن وطنهم يكشف استمرار السياسات الرامية إلى تمزيق العراق وإشغاله بصراعات داخلية.
وشدد على أن إثارة الانقسام الطائفي ليست سوى وسيلة لخداع الشعوب، وأن الصراع الحقيقي ليس بين السنة والشيعة، وإنما بين مشروع الهيمنة والاستعمار ومشروع استقلال الأمة ووحدتها، مؤكدًا أن مدرسة الإمام الخالصي رفضت منذ البداية الممارسات الطائفية، وفي الوقت نفسه دعمت كل قوة عراقية تدافع عن البلاد ووحدتها ومقدساتها.
وفي هذا السياق، استعرض وقائع اجتياح تنظيم «داعش» لعدد من المدن العراقية، مشيرًا إلى أن مسؤولين عراقيين أكدوا أن الولايات المتحدة لم تستجب لطلبات الدعم العسكري العاجل، في حين سارعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى إرسال السلاح والمستشارين، الأمر الذي أسهم في منع سقوط مناطق أخرى بيد التنظيم. وأوضح أن المعيار ليس الدفاع عن دولة أو شخصية، وإنما معرفة من وقف مع العراق في محنته ومن تخلى عنه.
وانتقل إلى القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن ما يجري في غزة والضفة الغربية يكشف زيف الادعاءات التي تصور الصراع على أنه مذهبي، متسائلًا عن سبب ترك أهل غزة يواجهون العدوان، فيما تحملت قوى المقاومة في لبنان وغيرها كلفة المواجهة، وقدمت الشهداء وتحملت الدمار دفاعًا عن فلسطين.
وأوضح أن نصرة فلسطين واجب شرعي وأخلاقي لا يرتبط بالانتماءات المذهبية، مستشهدًا بمواقف المقاومين الذين قبلوا دفع الأثمان الباهظة حفاظًا على كرامة الأمة، وبكلمات الشهيد السيد حسن نصر الله بشأن مسؤولية الأمة والتاريخ عن محاسبة المتخاذلين عن نصرة المظلومين.
وفي الشأن العراقي، وجّه الشيخ الخالصي انتقادات إلى أداء السلطة السياسية، معتبرًا أن فشلها يعود إلى التوافقات التي قامت عليها وارتهانها للإرادة الأمريكية، الأمر الذي أفقدها استقلال قرارها الوطني، داعيًا أبناء الشعب العراقي إلى تحمل مسؤولياتهم في إصلاح الواقع، وفي مقدمتهم العلماء وأصحاب الرأي.
وأكد أن الصمت عن الانحرافات لا يقل خطورة عن المشاركة فيها، وأن المرجعية الدينية مطالبة بالصدع بكلمة الحق مهما بلغت الضغوط، مشددًا على أن مدرسة الإمام الخالصي ستواصل إعلان مواقفها الشرعية والوطنية، رغم محاولات التضييق والتعتيم.
وأضاف أن محاصرة الكلمة الحرة لا تلغي أثرها، مستشهدًا بالإمام الحسين (عليه السلام)، الذي بقي وحيدًا في كربلاء، لكن كلمته انتصرت وأسقطت شرعية الطغيان، مؤكدًا أن الحق لا يُقاس بعدد أنصاره، بل بثبات أهله عليه.
واختتم الشيخ الخالصي خطبته بالدعاء للمجاهدين في العراق وفلسطين ولبنان واليمن وإيران وسائر بلاد المسلمين، وأن يرحم الله الشهداء، ويشفي الجرحى، ويحفظ الشعوب المستضعفة، ويجمع كلمة المسلمين على الهدى والتقوى، مؤكدًا أن طريق النصر يبدأ بالثبات على الحق، والتمسك بالإسلام، ورفض الظلم والهيمنة، والسير على نهج الإمام الحسين (عليه السلام).







