خطيب مدرسة الإمام الخالصي: الحرب على إيران وغزة ولبنان واليمن والعراق تستهدف الإسلام المقاوم لا حدود الأوطان
المكتب الإعلامي: 29 ربيع الأول 1448هـ / 11 أيلول 2026م
أكد خطيب مدرسة الإمام الخالصي، فضيلة الشيخ حسن طعيمة العبيدي (حفظه الله)، أن ما تتعرض له المنطقة من حروب واعتداءات لا يستهدف ثرواتها وحدودها فحسب، بل يستهدف الإسلام الحيّ المقاوم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويواجه الاحتلال والاستكبار، مشددًا على أن محاولات إطفاء نور الله محكومة بالفشل، وأن ثبات المؤمنين ووحدتهم وأخلاقهم من أهم أسباب انتصار الدين وانتشار دعوته.
وأوضح، خلال خطبتي صلاة الجمعة في مدينة الكاظمية المقدسة، أن مسيرة الأنبياء والرسل كانت حافلة بالابتلاء والمواجهة؛ لأنهم دعوا إلى عبادة الله وحده وتحرير الإنسان من الخضوع لغيره. كما دعا المسلمين إلى تحمّل مسؤوليتهم في تمثيل الإسلام بأخلاقهم وشجاعتهم وحفظ حقوق الناس، مؤكدًا أن الإيمان لا ينفصل عن الموقف العملي، وأن الظلم والاعتداء على حقوق العباد لا تمحوه كثرة العبادات ما لم يردّ الظالم الحقوق إلى أصحابها.
الخطبة الأولى: استهداف الإسلام المقاوم وحتمية انتصار الدين
استهلّ الشيخ العبيدي الخطبة الأولى بالوصية بتقوى الله والاستعداد للحساب، مذكّرًا بأن الإنسان عائد إلى ربه ومسؤول عن أعماله يوم القيامة، ثم بيّن أن الحصار المفروض على الأمة لا يقتصر على شعوبها وأوطانها وثرواتها ومقدراتها، وإنما يستهدف دينها وهويتها ورسالتها، داعيًا إلى بعث الأمل في قلوب المؤمنين والثقة بوعد الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
وأشار إلى أن الصراع بين الحق والباطل بدأ منذ عداوة إبليس لآدم (عليه السلام)، واستمر عبر مراحل التاريخ في مواجهة الأنبياء والرسل وأتباعهم. فقد تعرّض نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والنبي محمد، صلوات الله عليهم، للتكذيب والتشريد والتعذيب والقتل، مع أنهم كانوا أصدق الناس وأرحمهم وأكثرهم حرصًا على نجاة أقوامهم وهدايتهم إلى عبادة الله الواحد وترك عبادة ما سواه.
وتساءل عن أسباب تركيز الهجمات الفكرية والسياسية والعسكرية على الإسلام، في وقت لا تواجه فيه المعتقدات والاتجاهات الأخرى، بما فيها الإلحادية، المستوى نفسه من العداء، موضحًا أن الإسلام يُحارَب لأنه دين توحيد وموقف ومقاومة، ولأن الصلاة والمساجد والصيام والحج وسائر مظاهر الالتزام تثير خوف أتباع مشاريع الهيمنة. ورفض وصف المسلمين بالإرهاب، مؤكدًا أن ما يجري امتداد لمحاولات إطفاء نور الله، إلا أن البشر، إذا كانوا عاجزين عن إطفاء نور الشمس، فهم أعجز عن إطفاء نور الله ودينه الباقي إلى يوم القيامة.
واستشهد بما نُقل عن المرجع المجاهد الراحل الشيخ محمد مهدي الخالصي (أعلى الله مقامه)، حين سُئل عن الخوف على الإسلام في ظل الاحتلال والهجمات المحيطة به، فأجاب بأن الله ناصر دينه، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وأضاف أن قوى الاستكبار، مهما بلغت قوتها، مآلها إلى الزوال، وأن انتشار الإسلام وبناء المساجد وتزايد الإقبال عليه في المجتمعات الغربية يمثّل بشارةً بمستقبل الدين، بصرف النظر عن التقارير التي تحاول تصويره محاصرًا أو مهزومًا.
وأكد أن الإسلام ينتصر بثبات أبنائه وتوحيد صفوفهم ودعوتهم الصادقة، وأن كل مسلم مسؤول عن تمثيل رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخلاقه ودينه وشجاعته. واستعاد في هذا السياق موقف الإمام الشيخ محمد الخالصي (رحمه الله) من عبد الكريم قاسم، عندما ردّ على قوله المخالف للحكم القرآني في الميراث، ودعاه علنًا إلى التوبة من دون أن يخشى السلطة أو السجن أو الموت.
وبيّن الشيخ العبيدي أن الحشود العسكرية والتدخلات الأجنبية المحيطة بالمنطقة لا تتحرك من أجل مضيق هرمز أو النفط والثروات فحسب، وإنما لمواجهة الإسلام الذي يرفض الهيمنة. وانتقد خضوع بعض الحكام للإرادة الأميركية وزياراتهم ومصافحتهم لرموزها، كما جدد رفضه الوجود الأميركي وسفارته في العراق، معتبرًا أن تأييد الاحتلال أو الرضا ببقائه يتعارض مع مسؤولية الدفاع عن سيادة البلاد وكرامة الأمة.
وشبّه اجتماع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية وبعض الأطراف الداخلية ضد شعوب المنطقة بتحالف الأحزاب في غزوة الخندق، حين اجتمعت قريش وحلفاؤها على المسلمين وتعاون المنافقون في الداخل مع أعداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلا أن الله هزم ذلك التحالف. وأكد أن إرادة الله فوق إرادة المعتدين مهما امتلكوا من قوة وأسباب مادية.
وأضاف أن الحروب الجارية ضد إيران وغزة وجنوب لبنان واليمن والعراق ليست حروبًا على أقطار ومدن منفصلة، بل على «الدين المجاهد والناطق» الذي يواجه المحتلين. وأعرب عن دعمه للمقاومين في جنوب لبنان، ولا سيما مجاهدي حزب الله، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي يتعرضون لها، مؤكدًا أن نور الله حاضر مع المجاهدين والمؤمنين والصابرين والثابتين.
وختم الخطبة الأولى بالدعوة إلى عدم الاستسلام لفكرة ضعف الدين أو استضعافه؛ فالإسلام قوي برسالته وأبنائه ودعوته، والله متكفل بنصره وإتمام نوره. وأعرب عن ثقته بأن الأمة ستنتصر ويعود الدين قويًا، وتمتلئ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا.
الخطبة الثانية: الإسلام دين واحد ومسؤولية الإيمان حفظ حقوق الإنسان
وفي الخطبة الثانية، أكد الشيخ العبيدي أن الله تعالى تكفّل بنصر دينه وتثبيت دعوته، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وأوضح أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بُعث بالهدى والنور والبيان، وأن الإسلام كتاب مفتوح ودين فهمٍ وتيسيرٍ ووضوح، وليس دين تعقيدٍ وتعسير.
وأشار إلى وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لأصحابه بالتيسير وعدم التنفير، مؤكدًا أن كل مسلم داعٍ إلى الإسلام ومسؤول عن صورته أمام الناس، وأن الانتماء إلى نهج النبي وأهل بيته (عليهم السلام) ليس مجرد عنوان، بل أمانة ومسؤولية وسفارة أخلاقية، توجب على المؤمن إيصال نور الهداية إلى غيره بالسلوك الحسن والقول الصادق.
وتناول مفهوم «حوار الأديان»، ناقلًا اعتراض المرجع الديني الراحل الشيخ محمد مهدي الخالصي (أعلى الله مقامه) على هذا التعبير؛ لأن القرآن الكريم يتحدث عن الدين بصيغة المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وبيّن أن الدين في الرؤية القرآنية واحد، بينما اختلفت الشرائع التي جاء بها الأنبياء، وأن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا مسلمين لله تعالى، مستشهدًا بما ورد عن إبراهيم ويوسف ويعقوب وسائر الأنبياء (عليهم السلام).
وشدد على أن ادعاء محبة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) واتباع أهل بيته لا ينسجم مع ظلم الناس أو سلب حقوقهم والتجبر في الأرض، محذرًا من الاعتقاد بأن كثرة الصلاة والصيام والحج تكفي مع بقاء مظالم العباد. وضرب مثالًا بمن يقتل طائرًا للتسلية، موضحًا أن الاعتداء على أي مخلوق قد يكون سببًا للمساءلة والعقوبة يوم القيامة.
وبيّن أن الذنب المتعلق بتقصير الإنسان في حق الله يبقى بين العبد وربه، والله واسع المغفرة، أما الشرك فلا يُغفر لمن مات عليه، وحقوق الناس لا تُترك حتى يعفو أصحابها أو تُعاد إليهم؛ سواء كان المظلوم أخًا أم قريبًا أم جارًا أم صديقًا أم شريكًا أو أي إنسان آخر. ومن ثم فإن صدق الإيمان يظهر في العدل وحفظ الحقوق واجتناب الظلم، لا في المظاهر والشعارات وحدها.
واختتم الشيخ حسن العبيدي خطبته بالتأكيد أن يوم الجمعة يوم اجتماع وتذكير، داعيًا الله تعالى أن يثبت المسلمين على الحق والهدى واتباع النبي الأكرم ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)، وأن ينصر المجاهدين في إيران ولبنان وغزة واليمن والعراق وسائر الأمصار الإسلامية، ويدحر الاحتلال الأميركي والصهيوني، ويرحم شهداء الأمة وأمواتها، ويغفر للمؤمنين والمؤمنات.





