المرجع الخالصي: معركة الأمة تتجاوز صراع الحدود والنفوذ.. والمشروع الأمريكي الصهيوني يستهدف الدين والوعي والسيادة
المرجع الخالصي: من دعم دستور الاحتلال وانتخاباته لا يكفيه الاعتراض على نتائجه اليوم .. وعليه مراجعة موقفه
الكاظمية المقدسة – 7 آب 2026م
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي أن ما تواجهه الأمة اليوم لا يقتصر على الأزمات السياسية والاقتصادية أو الصراعات الإقليمية، بل يأتي ضمن معركة أوسع تستهدف الدين والوعي والهوية والاستقلال، داعيًا المسلمين إلى إدراك طبيعة الصراع والثبات على الحق، وعدم الانشغال بفروع الأزمات عن جذورها الفكرية والأخلاقية والسياسية.
وأوضح سماحته (دام ظله)، خلال خطبتي صلاة الجمعة في مدينة الكاظمية المقدسة، أن الفساد وسوء الإدارة ونهب المال العام وما يعانيه العراق من أزمات متراكمة تمثل جانبًا من خلل أكبر أصاب منظومة القيم والوعي، محذرًا من الحرب الناعمة وإثارة الشبهات حول القرآن والسنة ومصادر الدين، ومن الانجرار خلف خطاب ديني لا يستند إلى التحقيق والعلم.
وتناول سماحته طبيعة الصراع القائم في المنطقة وأسباب استهداف إيران منذ قيام الثورة الإسلامية، معتبرًا أن المواجهة الراهنة تتجاوز النزاعات على الحدود والمضائق والنفوذ إلى صراع بين مشروع الهيمنة الاستعمارية الصهيونية ومشروع التحرر والاستقلال والعودة إلى الإسلام، مشيرًا إلى التحولات التي يشهدها الرأي العام الغربي تجاه الصهيونية، ولا سيما بعد الحرب على غزة.
كما جدد رفضه للمشاريع الأمريكية والصهيونية والفكرية والسياسية المخالفة للإسلام، منتقدًا الجهات التي دعمت العملية السياسية والدستور والانتخابات في ظل الاحتلال، ثم عادت لاحقًا لتصف نتائجها بالمصيبة والخديعة، مؤكدًا ضرورة مراجعة تلك المواقف والعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله.
الخطبة الأولى: أزمة الأمة أبعد من الفساد الداخلي.. والصراع الراهن معركة هوية واستقلال
استهل الشيخ الخالصي الخطبة الأولى بالدعوة إلى تقوى الله واستحضار رقابته في الأقوال والأفعال والنيات، مؤكدًا أن المؤمن ينبغي أن يجعل رضا الله وحكمه حاضرَين في كل موقف وعمل، وأن يدرك مسؤوليته عما يقدمه في حياته استعدادًا للقاء الله.
وأكد أن الإيمان بالله لا ينبغي أن يبقى مفهومًا نظريًا بعيدًا عن واقع الإنسان، وأن استمرار الظلم أو تأخر الفرج لا يبرران البحث عن بدائل عن منهج الله، بل يستدعيان مزيدًا من العمل الصالح والسعي إلى تغيير الواقع وفق الحق.
وانتقل سماحته إلى الشأن العراقي، مشيرًا إلى أن معاناة المواطنين من الكهرباء والفساد وسرقة الأموال وتردي المؤسسات والخدمات تمثل جانبًا من الأزمة، منتقدًا المعالجات الجزئية والمتأخرة التي تُقدَّم بوصفها إصلاحًا، ومؤكدًا أن المسؤول مطالب بمراجعة المنظومة التي يديرها ومحاسبة المتسببين بالفساد والظلم، بدل الاكتفاء بإجراءات محدودة لا تعالج أصل المشكلة.
وقال: إن العراق، كما عانى في النظام السابق من ظلم رأس السلطة والمحيطين به، يعاني اليوم من مجموعات ارتبطت بالنظام الذي أنشأه المحتلون، إلا أن هذه المشكلات، على خطورتها، لا ينبغي أن تحجب ما وصفه بـ«المصيبة الكبرى»، المتمثلة في تراجع الدين وانتشار الانحراف والفساد الأخلاقي والضلال، وترسيخ بعض ذلك عبر الأنظمة والقوانين التي فرضها المحتلون.
وشدد على ضرورة الجمع بين الاهتمام بمعاش الناس والاهتمام بمصير الأمة الديني والأخلاقي، مستعيدًا مراحل انتشار الشيوعية والفكر البعثي في العراق، ومبينًا أن عدم التصدي المبكر للأفكار المنحرفة أتاح لها التمدد وفرض آثارها على المجتمع.
وانتقد من ترددوا في مواجهة الانحراف والظلم بذريعة الخوف من الفتنة، مؤكدًا أن السكوت عن الباطل والظلم والفساد هو في ذاته وقوع في الفتنة، وأن المؤمنين الذين أدركوا خطورة تلك المشاريع وتحملوا الأذى في مواجهتها أسهموا في دفع شرورها عن الأمة.
وفي حديثه عن الصراع الإقليمي والدولي، قال: إن الأمة تواجه معركة تمتد من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن ومصر والأردن والخليج وإيران، معتبرًا أن إيران أصبحت في مقدمة الدول المستهدفة لأنها تبنت -منذ قيام الثورة الإسلامية- مشروعًا مناهضًا للهيمنة الاستعمارية الصهيونية، وسعت إلى إقامة الدولة على أساس الإسلام.
وأشار إلى أن محاولات إسقاط هذا المشروع لم تتوقف، سواء عبر الحروب أو الاختراق والحرب الناعمة، معتبرًا أن الهجوم الخارجي أسهم، خلافًا لما أراده خصوم إيران، في توحيد قطاعات واسعة من الشعب في مواجهة العدوان.
ووصف الحرب العراقية الإيرانية بأنها حرب فرضتها الولايات المتحدة على الشعبين العراقي والإيراني، واستُخدمت فيها السلطة السابقة في صراع خلّف ثماني سنوات من القتل والدمار، قبل أن تنقلب القوى التي دعمت النظام آنذاك عليه لاحقًا.
وأكد أن الصراع الجاري لا يمكن اختزاله في مضيق هرمز أو شط العرب أو الجزر أو تسمية الخليج أو القواعد والنفوذ، فهذه أجزاء من معركة أكبر تتعلق، بالانتقال من مرحلة الهيمنة والاستكبار إلى مرحلة تتطلع فيها الشعوب إلى التحرر والعودة إلى الإيمان، مشددًا على أن بناء «الدولة الكريمة» لا يتحقق بالأمنيات، بل بالجهاد والصبر والتضحية وإعداد الأمة لتحمل مسؤولياتها.
ولفت إلى تحول في المزاج الشعبي داخل عدد من الدول الغربية تجاه الصهيونية، ولا سيما بعد ما جرى في غزة، معتبرًا أن انكشاف حقيقة المشروع الصهيوني دفع قطاعات من الناخبين في الولايات المتحدة وغيرها إلى البحث عن بدائل سياسية خارج الخيارات التقليدية، داعيًا الأمة الإسلامية إلى قراءة هذه المتغيرات بوعي والثبات أمام ما يرافق الصراع من خسائر وشبهات وحملات تضليل.
الخطبة الثانية: الحرب الناعمة تستهدف مصادر الدين.. ولا شرعية لموقف بلا دليل ووعي
وفي الخطبة الثانية، حذر الشيخ الخالصي من «الحرب الناعمة» التي تستهدف تغيير الأفكار وإلهاء الناس عن جوهر الدين، موضحًا أن التشكيك المعاصر لم يعد يأتي دائمًا عبر إنكار الله أو النبوة بصورة مباشرة، وإنما من خلال إفراغ الدين من أثره في الحياة وتقديمه بوصفه جزءًا من الماضي.
وأشار إلى خطابات تُطرح تحت عناوين دينية ومن أشخاص يرتدون الزي الديني، وتتضمن التشكيك في الحج والصيام والقرآن ومصادر التشريع، مؤكدًا أن هذه الأفكار تعيد إنتاج شبهات سبق أن طرحها مستشرقون ومبشرون قبل أكثر من قرن، مشيراً إلى إعادة طباعة كتاب «الاحتراز عن مفتريات حسن الإيجاز»، الذي جاء ردًا على كتاب «حسن الإيجاز» الصادر سنة 1911 والمتضمن شبهات حول القرآن وبلاغته وإعجازه، مبينًا أن بعض ما يُطرح اليوم يعيد المقولات نفسها بصيغ جديدة.
ودعا سماحته العلماء وطلبة العلم إلى ممارسة دورهم في «الجهاد بالكلمة والعلم والتبيين»، إلى جانب الجهاد الميداني في مواجهة الظالمين، مشددًا على أن المظهر والزي الديني لا يكفيان لإثبات صحة القول، وأن معيار معرفة الحق هو الرجوع إلى القرآن الكريم وسنة النبي (صلى الله عليه وآله) والأحاديث الصحيحة عن الأئمة الهداة.
وأكد ضرورة التحقق من مصادر الروايات وعدم التعامل مع كل ما يُنسب إلى الكتب الحديثية بوصفه صحيحًا، وأشار إلى المصادر الحديثية الأساسية، ومنها «الكافي» و«من لا يحضره الفقيه» و«التهذيب» و«الاستبصار»، مؤكدًا وجود بعض الروايات الضعيفة والمختلف فيها لافتاً الى ان ذلك يفرض استمرار الاجتهاد والتحقيق العلمي لتمييز الصحيح من غيره.
وحذر من الروايات الموضوعة والغلو، مؤكدًا أن الدين لا يؤخذ من الأحلام والمنامات أو من كل خطيب ومتحدث، وإنما من الأدلة والمصادر المعتبرة، داعيًا إلى السؤال عن مستند ما يسمعونه في كتاب الله وسنة رسوله وأحاديث الأئمة، بما يعزز ثقافة التفقه والوعي بدل التقليد والترديد من دون معرفة.
وحذر كذلك من استغلال عناوين «المرجعية» لخداع الناس، مستشهداً بنماذج شهدها العراق بعد الاحتلال، حين نُسبت بعض الأنشطة والمواقف إلى مرجعيات معينة ثم اتضح عدم صحة ذلك، مؤكدًا أن الأمة الواعية مطالبة بمعرفة من يتحدث إليها، وبأي صفة، وما مصدر قوله.
وانتقد تقلّب مواقف بعض الشخصيات والجهات التي دعمت خطوات العملية السياسية بعد الاحتلال الأمريكي، ثم عادت لتنتقد نتائجها، مشيرًا إلى أن جهات دعت سابقًا إلى التصويت على الدستور والمشاركة في الانتخابات، رغم التحذيرات، ثم أصبحت لاحقًا تصفهما بالمصيبة والخديعة.
وأكد أن من يعترض اليوم على نتائج المشروع السياسي القائم ينبغي له أولًا مراجعة موقفه السابق والاستغفار من تأييد الباطل، مجددًا ثبات موقفه الرافض لأي «مشروع أمريكي وصهيوني إسرائيلي وشيوعي وبعثي وليبرالي وقومي»، ومؤكدًا أن المرجعية في تحديد الموقف هي دين الله وكتابه.
وختم الشيخ الخالصي بالإشادة بمسيرة الأربعين التي شارك فيها المؤمنون، واصفًا إياها بأنها كانت «مجلجلة وقوية ومؤثرة»، ومشيرًا إلى احتمال أن تعقبها أحداث وتطورات تستوجب مزيدًا من الوعي والثبات، سائلًا الله تعالى أن يثبت الأمة على طريق الحق والهدى.













