مدرسة الإمام الخالصي: الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يجب أن يكون نواةً لوحدة إسلامية مستقلة لا امتدادًا لمحاور الهيمنة
الكاظمية المقدسة – 24 صفر الخير 1448هـ / 8 آب 2026م
دعت مدرسة الإمام الخالصي إلى أن يكون الاتفاق الدفاعي بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية منطلقًا لبناء مشروعٍ عربي وإسلامي مستقل، يوحّد قدرات دول المنطقة في مواجهة العدوان والتدخل الخارجي، ويحمي سيادتها وقضاياها المصيرية، محذّرةً من تحوّله إلى إعادة إنتاجٍ لتحالفات سابقة ارتبطت بإرادة القوى الكبرى وكرّست الانقسامات داخل الأمة.
وأكدت المدرسة، في بيانٍ صدر اليوم، أن معيار نجاح الاتفاق يتمثل في استقلال قراره، ودفاعه عن سيادة الدول الإسلامية، ونصرة القضية الفلسطينية، ورفض الاحتلال والحصار والتدخل الأجنبي، وعدم توجيهه ضد أي دولةٍ أو شعبٍ مسلم، مشددةً على أن انحرافه نحو الاصطفافات السياسية والمذهبية أو تصفية الحسابات الداخلية يفقده مشروعيته الأخلاقية والسياسية.
وأثار البيان تساؤلاتٍ بشأن غياب جمهورية مصر العربية وغيرها من دول المنطقة، داعيًا إلى إقامة إطارٍ أوسع يضم القوى الرئيسة في الأمة، وصولًا إلى حلفٍ عربي وإسلامي يستند إلى قرارٍ مستقل، ويجمع الطاقات والمواقف الرافضة للهيمنة الأمريكية والصهيونية، بما يحقق توازنًا حقيقيًا ويحول دون تفريق شعوب الأمة وإضعافها.
كما شددت المدرسة على أن القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى يجب أن يبقيا البوصلة المركزية لأي مشروعٍ سياسي أو دفاعي في العالم الإسلامي، داعيةً إلى رفع أشكال الحصار والإجراءات القسرية المفروضة على غزة وفلسطين والجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية اليمنية، وجعل الاتفاق، إن كُتب له الاستمرار، محفزًا لوحدة الصف الإسلامي، لا مدخلًا للارتهان إلى المحاور الدولية.
وفيما يأتي النص الكامل للبيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾
بيانٌ بشأن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان… وتساؤلات المرحلة
تابعت الأوساط السياسية والشعبية الإعلان عن الاتفاق الدفاعي الذي جمع المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، في مرحلةٍ تشهد تصاعدًا غير مسبوقٍ في التوترات الإقليمية، واتساعًا لدوائر العدوان، وتزايدًا للتدخلات الأجنبية في شؤون المنطقة. وقد أعلنت الدول الثلاث أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي والأمني، مؤكدةً أنه ليس موجَّهًا ضد دولةٍ بعينها.
وإزاء هذا التطور، فإننا نؤكد أن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون اليوم إلى التكامل والتعاون، وأن أي تقاربٍ بين دولها يمكن أن يشكل خطوةً إيجابية إذا انطلق من إرادةٍ مستقلة، واستهدف حماية سيادة الأمة وأمنها وردع العدوان عنها، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة الدولية والاستقطابات التي مزَّقت العالم الإسلامي وأضعفت قدراته لعقودٍ طويلة.
غير أن التجارب التاريخية تفرض التعامل مع مثل هذه التحالفات بوعيٍ ومسؤولية، وألّا تُصدر الأحكام قبل أن تتضح أهدافها والتزاماتها ومواقفها العملية. ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: هل يمثّل هذا الاتفاق بداية مشروعٍ إسلاميٍّ مستقل لحماية الأمة وحقوقها، أم أنه إعادة إنتاجٍ لتحالفاتٍ عرفتها المنطقة بصيغٍ جديدة؟
إن المقارنة بين هذا الاتفاق وأحلافٍ عسكريةٍ سابقة، كحلف بغداد في الخمسينات، أو الحلف الإسلامي في السبعينات، أو ما يُوصف حالياً بـ«الناتو الإسلامي» الذي كانت تسيره اسرائيل وتدعو إليه أمريكا وتحت غطاء الدين الإبراهيمي، لا ينبغي أن تُبنى على التشابه في الأسماء أو الأشكال، وإنما على حقيقة الأهداف واستقلال القرار. فإن كان الاتفاق خاضعًا لإرادة القوى الكبرى أو موظفًا لخدمة مشاريعها، فلن يختلف في جوهره عن الأحلاف التي رفضتها شعوب الأمة عبر تاريخها؛ أما إذا كان قائمًا على استقلال القرار، والدفاع عن سيادة الدول الإسلامية، ونصرة قضاياها العادلة وردع العدوان عنها، فإنه يستحق أن يُقيَّم من خلال مواقفه وأفعاله، لا من خلال الظنون أو السوابق التاريخية.
كما أن غياب جمهورية مصر العربية وغيرها من دول المنطقة، بما تمثله من ثقلٍ تاريخي وحضاري واستراتيجي، يفتح باب التساؤل حول مستقبل منظومة الأمن الإقليمي، وإمكان قيام إطارٍ إسلاميٍّ جامع يضم القوى الرئيسة في الأمة، بعيدًا عن المحاور الضيقة والاستقطابات السياسية، بما يحقق وحدة الموقف ويعزز القدرة على مواجهة الأخطار المشتركة.
إن معيار الحكم على أي تحالف لا يكون باسمه أو شعاراته، وإنما بنتائجه ومواقفه العملية؛ فإذا اتجه إلى الدفاع عن سيادة دول الأمة، ونصرة الشعب الفلسطيني، ووقف العدوان على الشعوب الإسلامية، ورفض الاحتلال والتدخل الأجنبي، ومساندة الدول التي تتعرض للحصار والاعتداء، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية اليمنية، وتعزيز استقلال القرار الإسلامي، فإنه يمثل خطوةً إيجابية نحو تعزيز استقلال القرار الإسلامي.
أما إذا تحوَّل إلى وسيلةٍ لتوسيع الانقسامات، أو تصفية الحسابات بين أبناء الأمة، أو تكريس الاصطفافات السياسية والمذهبية، أو استهداف أي دولةٍ أو شعبٍ مسلم، فإنه سيفقد مشروعيته الأخلاقية والسياسية، ويُضاف إلى سلسلة التجارب التي دفعت الأمة أثمانها الباهظة من وحدتها وأمنها واستقرارها.
وفي هذا السياق، فإننا نؤكد ضرورة رفع جميع أشكال الحصار والإجراءات القسرية المفروضة على الشعوب والدول الإسلامية، وفي مقدمتها غزّة وفلسطين عموماً والجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية اليمنية؛ لأن سياسة الحصار والإخضاع لم تُنتج أمنًا ولا استقرارًا، وإنما عمَّقت الأزمات، وزادت معاناة الشعوب، وأبقت المنطقة رهينةً للصراعات الخارجية.
كما نؤكد أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى البوصلة المركزية لأي مشروعٍ سياسي أو دفاعي في العالم الإسلامي، وأن الدفاع عن المسجد الأقصى، وإنهاء الاحتلال، ووقف العدوان على الشعب الفلسطيني، ينبغي أن يكون في صدارة أولويات أي تحالفٍ يرفع شعار الدفاع عن الأمة، وإلا فقد مبرر وجوده ورسالته.
إن الأمة الإسلامية لا تحتاج إلى تحالفاتٍ تُوجَّه ضد أبنائها، وإنما إلى منظومة تعاونٍ تحمي الجميع، وتصون السيادة، وتمنع الاعتداء الخارجي، وتُعلي قيم العدل والكرامة والاستقلال، وتغلق أبواب الفتنة، وتوحِّد الطاقات في مواجهة الاحتلال والعدوان والتدخل الخارجي.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تفرض على الأمة إقامةَ حلفٍ عربيٍّ وحلفٍ إسلاميٍّ يضمّان الدول العربية والدول المجاورة، ويستندان إلى قرارٍ مستقلٍّ في مواجهة العدوان الأمريكي، الذي أباد الأمة ودمّر البلاد، والاستفادة من الفرصة التي وفّرتها حركة المقاومة في الأمة، بدءًا من طوفان الأقصى، مرورًا بمقاومة الجنوب اللبناني الباسلة، وصولًا إلى الموقف المشرّف للجمهورية الإسلامية، الذي حظي بدعم باكستان وتركيا، في الوقت الذي سعت فيه بعض الدول الخليجية أيضًا إلى التخلّص من الضغوط الأمريكية الرامية إلى إشراكها في العدوان.
فهذه المواقف والجهود ينبغي أن تجتمع وتتضافر لتؤسِّس حلفًا أو جبهةً إسلاميةً واحدةً في مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية، وإيجاد توازنٍ حقيقيٍّ في المنطقة؛ حتى تدرك الولايات المتحدة أن شعوب الأمة الإسلامية لا يمكن تفريقها أو تمزيقها بمثل هذه المخططات.
وعليه، فإننا ندعو جميع الدول والقوى الإسلامية إلى أن تجعل هذا الاتفاق ـ إن كُتب له الاستمرار ـ محفزاً لبناء مشروع حقيقي متكامل لوحدة الصف الإسلامي، وتعزيز التعاون بين شعوبه، والدفاع عن قضاياه المصيرية، لا سببًا لمزيدٍ من الانقسام أو الارتهان للمحاور الدولية، وأن يكون ولاؤه الأول والأخير لمصالح الأمة الإسلامية وقضاياها العادلة.
مدرسة الإمام الخالصي
24 صفر 1448هـ / 8 آب 2026م


