المرجع الخالصي: الحجُّ الإبراهيمي مشروعُ وحدةٍ للأمة ومعركةُ فلسطين ولبنان وإيران تمهِّدُ لدولة الحق ومواجهةِ الطاغوت العالمي
الكاظمية المقدسة – 20 ذو القعدة 1447هـ / 8 أيار 2026م
أكّد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، خلال خطبتي الجمعة المباركة في مدينة الكاظمية المقدسة، أنّ الأمة الإسلامية تواجه اليوم واحدةً من أخطر مراحلها التاريخية، في ظلّ استمرار مشاريع التفتيت والحروب والطائفية التي تُدار من قبل قوى الاستكبار والصهيونية العالمية، داعياً إلى استلهام معاني الحج الإبراهيمي بوصفه مشروعاً عملياً لوحدة المسلمين وتماسكهم.
وشدّد المرجع الخالصي على أنّ المعركة الدائرة في فلسطين ولبنان وإيران واليمن وسائر المنطقة ليست معركةً عابرة أو ظرفية، بل هي “المعركة الفاصلة الكبرى” بين مشروع الهيمنة والطغيان وبين مشروع الإسلام والتحرر الإنساني، مؤكداً أنّ الواجب الشرعي والأخلاقي يفرض على المسلمين الوقوف إلى جانب قوى المقاومة والجهاد، سياسياً وإعلامياً ومادياً، وعدم الاكتفاء بمواقف الحزن أو التفرج.
كما تناولت الخطبة مخاطر الانسياق وراء الأفكار الوافدة والتيارات الإلحادية والعلمانية المنفصلة عن الدين، محذراً من محاولات سلخ المجتمعات الإسلامية عن هويتها العقائدية، ومؤكداً أنّ النجاة لا تكون إلا بالثبات على الإسلام ورفض الخضوع للطغاة ومشاريع الهيمنة العالمية.
الخطبة الأولى: الحجُّ الإبراهيمي ووحدة الأمة في مواجهة مشاريع التفتيت
استهلّ المرجع الخالصي خطبته بالتأكيد على مركزية التقوى في حياة الإنسان، بوصفها الوصية الإلهية الخالدة التي بها النجاة والفلاح، داعياً المؤمنين إلى الالتزام بمنهج الله والسير على هدى الأنبياء وأئمة الهدى، وعدم الانجرار وراء طرق الضلال والانحراف.
وتناول في خطبته اقتراب موسم الحج، معتبراً أنّ هذه الشعيرة العظيمة تُجسّد بوضوح إرادة الله في أن تكون الأمة الإسلامية أمةً موحّدة، متعبدة لله وحده، ملتزمةً بأمره، سائرةً على نهج الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله). وأشار إلى أنّ دعوة النبي إبراهيم (عليه السلام) للحج، التي أطلقها وحيداً في الصحراء، تحوّلت عبر التاريخ إلى أعظم اجتماع بشري على وجه الأرض، يجتمع فيه المسلمون من مختلف الأعراق واللغات والأوطان تحت راية العبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى.
وأوضح أنّ الحج الإبراهيمي ينبغي أن يتحول إلى مدرسة عملية لترسيخ وحدة الأمة الإسلامية، والالتفاف حول الكتاب والسنة وسيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، لا أن يبقى مجرد طقوس شكلية، مؤكداً أنّ ذلك يمثّل الرد الحاسم على القوى التي تسعى إلى تمزيق الأمة وإشعال الصراعات الطائفية والحروب الداخلية بين المسلمين.
وأشار المرجع الخالصي إلى أنّ الحروب التي تشهدها بعض البلدان الإسلامية، ومنها ما يجري في ليبيا وغيرها، تكشف حجم المخطط القائم لإدامة الاقتتال الداخلي، مبيناً أنّ الطائفية تُستخدم بوصفها أخطر الأسلحة لإضعاف المسلمين وتشتيت قواهم، محذراً من محاولات إعادة الأمة إلى أجواء الاحتراب والانقسام بعد انكشاف كثير من الحقائق أمام الناس.
ودعا الحجاج إلى الحفاظ على وحدة المسلمين وتجنب كل ما يمكن أن يثير النزاعات والخلافات أثناء أداء المناسك، مؤكداً أنّ بعض المستحبات قد تُترك إذا كانت تؤدي إلى إحداث الفرقة أو الإشكالات، مستشهداً بموقف النبي هارون (عليه السلام) في الحفاظ على وحدة بني إسرائيل.
وفي الوقت ذاته، شدّد على أنّ الحفاظ على الوحدة لا يعني الصمت تجاه القضايا المصيرية للأمة، وفي مقدمتها ما يجري في فلسطين ولبنان وسائر جبهات المواجهة، مؤكداً ضرورة التعبير عن هذه القضايا بطريقة توحّد المسلمين ولا تفتح أبواب الخصومة فيما بينهم.
كما أوصى الحجيج بالدعاء للمجاهدين الذين يخوضون ساحات المواجهة في فلسطين ولبنان واليمن وغيرها، معتبراً أنّ الأمة تعيش اليوم حالة جهادية كبرى تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط وبحر العرب والمحيط الهندي، داعياً إلى أن يكون موسم الحج منسجماً مع هذه الروح الجهادية الجامعة.
وانتقد المرجع الخالصي ما وصفه بالتضييق على الحجاج، ولا سيما تجاه من يرفعون علم فلسطين أو يعلنون دعمهم للمجاهدين، معتبراً أنّ هذا الأمر غير مقبول، ومؤكداً أنّ الصهيونية تمثل “مفتاح الشر والدمار في الأرض”، داعياً إلى العودة إلى المواقف التاريخية الرافضة للمشروع الصهيوني وخطورته على الإنسانية جمعاء.
الخطبة الثانية: الثبات على الإسلام ودعم محور المقاومة في “المعركة الفاصلة الكبرى”
وفي الخطبة الثانية، جدّد المرجع الخالصي التأكيد على ضرورة الثبات على الدين وعدم التلوّن والانجراف وراء “الصيحات الوافدة” والأفكار التي وصفها بالإلحادية والمادية، محذراً من انسياق بعض أبناء المجتمعات الإسلامية خلف تيارات لا تؤمن بالله ولا بالغيب، وتسعى إلى سلخ الإنسان عن دينه وهويته الإسلامية.
وأوضح أنّ بعض الشعارات المطروحة تحت عناوين “المدنية” أو “الديمقراطية” تُستخدم أحياناً لإبعاد المسلمين عن دينهم، مؤكداً أنّ إعلان الإنسان لانتمائه الإسلامي هو موقف عقائدي ورسالي عظيم، وليس مجرد هوية لفظية، مستشهداً بالآية الكريمة : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت:33.
وتوقف المرجع الخالصي عند طبيعة الصراع القائم في المنطقة، واصفاً إياه بأنه “خلاصة معارك التاريخ” و”المعركة الفاصلة الكبرى”، مشيراً إلى ما يتعرض له الشعبان الفلسطيني واللبناني من قتل ودمار ومعاناة، مقابل ما وصفه بالبطولات والانتصارات التي أربكت الكيان الصهيوني وأفزعت داعميه.
وأشار إلى التطورات العسكرية الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة والردود العسكرية الإيرانية، معتبراً أنّها كشفت هشاشة القوى المعادية رغم ما تمتلكه من إمكانات ضخمة، ومؤكداً أنّ الأمة مطالبة بأن تكون سنداً حقيقياً للمجاهدين، لا أن تكتفي بالحزن أو البيانات العاطفية.
وأكد أنّ المعركة ليست محصورة بفلسطين أو لبنان أو إيران، بل هي مواجهة شاملة مع “الطاغوت العالمي” والقوى الإمبريالية والصهيونية والماسونية التي تعمل على نهب ثروات الشعوب وإدامة الحروب ونشر الفساد والانحلال في المجتمعات الإسلامية.
كما دعا المسلمين إلى تقديم الدعم المالي والإعلامي والمعنوي للمجاهدين، معتبراً أنّ التبرع للمقاومة واجب شرعي، وأنّ من يقدم دمه دفاعاً عن الأمة لا يجوز أن يُبخل عليه بالمال أو الموقف، مشيراً إلى استمرار العدوان الصهيوني على غزة ولبنان، واستمرار تدفق الأسلحة الغربية إلى المنطقة لإدامة القتل والدمار.
وتناول المرجع الخالصي أوضاع العراق والمنطقة، منتقداً الفساد السياسي والتبعية للقوى الأجنبية، ومحذراً من حالة الخنوع التي تعيشها بعض الحكومات والأنظمة، مؤكداً أنّ مشروع “دولة الحق” لا يمكن أن يتحقق عبر التبعية للأعداء أو عبر الأنظمة المفروضة من الخارج، بل عبر الجهاد والوعي والتضحية والثبات على الإسلام.
وأشار كذلك إلى أنّ الحرب القائمة ـ رغم قسوتها ـ أسهمت في إعادة إحياء الروح الجهادية والوعي الإسلامي لدى الشعوب، مستشهداً بما وصفه بالإقبال الشعبي الواسع على التطوع للجهاد في إيران، وبالتحولات التي تشهدها المجتمعات الإسلامية في لبنان وفلسطين واليمن.
وفي ختام خطبته، دعا المرجع الخالصي الأمة إلى المزيد من الوعي واليقظة، ومواجهة الطغيان العالمي والثبات على طريق الإسلام، مؤكداً أنّ خلاص البشرية لا يكون إلا بالعودة إلى الله وإقامة دولة الحق والعدل، سائلاً الله تعالى أن ينصر الإسلام والمسلمين، ويخذل قوى الظلم والطغيان، ويجمع شمل الأمة على الحق والهداية.