الرئيسية / خطب الجمعة /

  • خطيب مدرسة الإمام الخالصي: أميركا تجسّد «المنهج الفرعوني» المعاصر.. ومواجهة الاستكبار تبدأ بكسر الصمت والفرقة والتضليل

  • خطيب مدرسة الإمام الخالصي: أميركا تجسّد «المنهج الفرعوني» المعاصر.. ومواجهة الاستكبار تبدأ بكسر الصمت والفرقة والتضليل
    2026/09/04

    خطيب مدرسة الإمام الخالصي: أميركا تجسّد «المنهج الفرعوني» المعاصر.. ومواجهة الاستكبار تبدأ بكسر الصمت والفرقة والتضليل

     

    الكاظمية المقدسة: المكتب الاعلامي 22 ربيع الاول 1448هـ / 4 أيلول 2026م

    أكد الشيخ الدكتور علي عبد العزيز الجبوري أن الصراع بين الحق والباطل سنّة إلهية ثابتة، وأن ما يشهده العالم من قتلٍ وحصارٍ ونهبٍ للثروات وإخضاعٍ للشعوب يمثل امتدادًا لـ«المنهج الفرعوني» الذي تجسّده قوى الاستكبار العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. جاء ذلك خلال خطبتي صلاة الجمعة اللتين أمّ فيهما المصلين في مدينة الكاظمية المقدسة، داعيًا إلى مواجهة هذا النهج بكسر الصمت والفرقة والتبرير، وبناء الوعي، واعتماد الإعلام الصادق، ومحاربة الفساد، والثبات في معسكر الحق.

     

    الخطبة الأولى: صراع موسى وفرعون سنّة متجددة.. والوعي والإعلام الصادق أسس التغيير

    استهلّ الشيخ الجبوري الخطبة الأولى بحمد الله تعالى والصلاة على النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين وخيرة أصحابه، ثم أوصى المصلين ونفسه بتقوى الله، ومحاسبة النفس قبل الحساب، والاستعداد للرجوع إليه سبحانه، محذرًا من خداع الشيطان، وداعيًا إلى قراءة القرآن قراءة تفكر وتدبر؛ لأنه المنجي في ظلمات الضياع والدليل إلى الحقيقة. وبيّن أن القرآن، حين يروي أخبار الأمم السابقة، لا يقدّم تاريخًا مجردًا، بل يكشف عن سنن لا تتبدل بتغيّر الأشخاص والعناوين، وفي مقدمتها استمرار الصراع بين الحق والباطل، والاستكبار والاستضعاف، والظلم والعدالة.

    وتناول قصة موسى وفرعون بوصفها نموذجًا لفهم واقع البشرية اليوم، متوقفًا عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. وأوضح أن القرآن لم يرفض القوة في ذاتها، بل رفض القوة حين تقترن بالاستكبار والظلم ونهب الحقوق وقتل الأبناء واستعباد الناس. وحدد أربعة عوامل أتاحت للطاغية بلوغ مرتبة الاستعلاء: سكوت الناس، وغياب القوة الرادعة، ووجود من يبرر أفعاله، وطمع المنتفعين في الانضمام إلى حاشيته؛ فلولا الصمت والمداهنة والتبرير والطمع لما استطاع أن يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ و﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، ويحوّل الأحرار إلى عبيد.

    وأضاف أن الطغيان يدوم بتفريق المجتمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾؛ إذ تنشغل الطوائف والجهات بإضعاف بعضها بعضًا، وتترك المستكبر بلا حسيب أو رقيب. كما يستهدف الطاغية الأجيال القادرة على الوعي والمقاومة، وهو ما جسّده قتل الأبناء واستحياء النساء ومنع نشوء طبقة شبابية تهدد منظومة الظلم.

    وأوضح أن مهمة موسى عليه السلام احتاجت إلى الحكمة والإعلام وحركة وعي متجددة؛ فطلب أن يشد الله عضده بأخيه هارون لأنه أفصح منه لسانًا. ورأى في ذلك دلالة على حاجة كل مشروع تغييري إلى متحدث يفهم مبادئه وأهدافه، ويؤمن بقيادته، ويملك القدرة على إقناع الناس، لا أن ينضم إليه طلبًا للراتب أو الشهرة والمنصب. وأكد أن من يعرف الحق يجب أن يكون جزءًا من منظومته، ولو واجه الجوع أو التشويه أو النبذ وقلة الناصر، مستشهدًا بمن عرفوا حق الحسين عليه السلام ثم خذلوه، وبوصية أمير المؤمنين لعمار بأن يسلك الوادي الذي يسلكه علي ولو سلك الناس واديًا آخر.

    وأشار إلى أن الله أمر موسى وهارون بمخاطبة فرعون بالقول اللين: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، مؤكدًا أن حركة التغيير تبدأ بالحوار الواعي وحقن الدماء، لا بالعنف وقطع الرؤوس وسبي النساء وتدمير البلدان وتاريخها وتراثها. وشدد على أن الحركات التي ترتكب هذه الأفعال باسم الإسلام لا تمثل دعوة إسلامية، وأن الدعوة الصحيحة تقوم على الأخلاق والكلمة الطيبة والدفع بالتي هي أحسن.

    وتوقف عند دور الإعلام في صناعة التضليل، معتبرًا جمع فرعون للسحرة صورة مبكرة من «سحر أعين الناس» واسترهابهم؛ وهو ما يتكرر حين تستضيف الفضائيات محللين يقلبون الحقائق، ويشيطنون أصحاب الحق، ويقدمون الاستكبار على أنه جاء لتحرير الشعوب. ودعا الإعلاميين إلى الصدق وعدم بيع الموقف لقاء المال أو العنوان أو المنصب، مؤكدًا أن من يبرر الظلم ويجعل الظالم مظلومًا والمظلوم ظالمًا يصبح جزءًا من منظومة السحر الفرعونية.

    وبيّن أن السحرة طلبوا الأجر من فرعون أولًا، لكنهم حين أدركوا أن مشروع موسى (ع) قائم على العدل والصدق، وأن الطرف الآخر مجرم مستكبر، أعلنوا موقفهم بقولهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، وثبتوا أمام تهديد فرعون لأن الدنيا ممر والآخرة هي الغاية والمقر. وربط ذلك بموقف الحر بن يزيد الرياحي، الذي انتقل من معسكر ابن زياد إلى معسكر الحسين (ع) حين خيّر نفسه بين الجنة والنار، داعيًا إلى اختيار الحق والثبات معه مهما كانت التضحيات.

    ورفض في هذا السياق مقولة إن «الفساد خير من الفوضى»، مؤكدًا أن الفساد والفوضى مرفوضان معًا، وأن المطلوب هو العدل وإحقاق الحق ومحاربة الفاسدين والفوضويين ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

    وختم محاور الخطبة الأولى بمشهد البحر؛ إذ قال المترددون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فيما أجاب موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فكانت النهاية نجاة أهل الإيمان وهلاك فرعون وبقاء جسده آية للناس. وأكد أن الحصار لا ينهي صوت الحق ولو طال الزمن، مؤكداً ان ما جرى في واقعنا الحالي من اغتصاب للجامع الصفوي نهايته محتومة بعودته إلى أهله كما عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مكة منتصرًا بعد الحصار والمنع.

    الخطبة الثانية: أميركا تمثّل طغيان هذا العصر.. ومحاربة الفساد طريق الخلاص

    وفي الخطبة الثانية، جدد الشيخ الجبوري الوصية بتقوى الله والتمسك بطريق الإسلام والاعتبار بأخبار الأمم السابقة، داعيًا كل إنسان إلى تحديد موقعه في الصراع بين معسكر الاستكبار والاستعلاء ومعسكر أولياء الله. وقال إن أدوات الإعلام تقع في معظمها بيد الاستكبار، فتستضيف بعض القنوات سبعة محللين يكون واحد منهم مع الحق وستة ضده، لكن صوت الحق سيبقى منتصرًا، وعلى الناس ألا يسمحوا للإعلام المضلل بتحديد الراية التي يقفون تحتها.

    وانتقد تحوّل الفساد إلى حالة طبيعية في المجتمع، حتى صار السارق يوصف بالذكي، ومن لا ينتمي إلى حزب أو جهة نافذة يُسخر منه ويقال إنه «من أهل الله». وأكد أن الشرف في أن يكون الإنسان من أهل الله؛ لأن المال يزول ولا يبقى إلا العمل والسيرة، مستشهدًا بقول أمير المؤمنين للحسن عليهما السلام: «إنما المرء حديث بعده، فكن حديثًا حسنًا لمن روى»؛ فمسيرة الإنسان هي التي تحدد إن كان التاريخ سيذكره بالرحمة أم باللعنة.

    وشدد على أن الفاسد لا يمثل شيعة الأمة ولا سنتها، ولا عربها ولا كردها ولا تركمانها، ولا مسلميها ولا مسيحييها، سواء ارتدى لباس أهل الدين أم لباس الأفرنجة. وبيّن أن مشروع الخلاص يبدأ بمعرفة الطريق إلى الحق وتشخيص القوى التي تقف في وجهه، وأن سهام أهل الباطل اليوم واضحة؛ فالاستكبار العالمي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية ومن معها، يقتل الأبناء، ويدمر البلدان، وينهب الثروات بلا حسيب أو رقيب، ويفرض الحصار والمقاطعة وإغلاق البحار بمنطق فرعون القائل: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾.

    ودعا في مقابل هذا «المنهج الفرعوني» إلى إحياء «المنهج الموسوي» بصوت حق يزلزل الظالمين، وإعلام يساند المظلومين، وأتباع ثابتين لا يخافون ولا يترددون. وحث على قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مؤكدًا أنهما لا يمنعان رزقًا ولا يقربان أجلًا، وأن راية الحق ستنتصر وإن طال الزمن؛ لأن الله وعد بأن الأرض يرثها عباده الصالحون.

    وختم بالتأكيد أن الاستكبار والظلم والفساد إلى زوال، وأن دولة الحق قائمة لا محالة، داعيًا الله أن يجعل المؤمنين من أنصار الحق والثابتين في معسكره، وأن ينزل الأمن والأمان على العراق وسائر بلاد المسلمين، ويعزز محور المقاومة بقوة تزلزل عروش الظالمين، ويوفق الجميع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد بالكلمة وبغيرها حتى تعلو راية الإسلام وتُدحض راية الكفر.

    01020304050607080910