خطيب مدرسة الإمام الخالصي: العصبيات تُضعف وحدة الأمة وتخدير الأجيال يفتح الطريق أمام مشاريع أعدائها
المكتب الإعلامي – الكاظمية المقدسة – 6 ربيع الآخر 1448هـ/ 18 أيلول 2026م
أكد خطيب مدرسة الإمام الخالصي، فضيلة الشيخ أسامة الخالصي، أن الإسلام جعل التقوى والعدل أساسًا للتفاضل بين الناس، ودعا إلى بناء أمة واحدة متحررة من العصبيات العشائرية والقومية والطائفية والوطنية الضيقة، محذرًا من استغلال الحوادث الفردية ووسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الفتن وصرف أنظار الأمة عما يُحاك ضدها.
وشدد، خلال خطبتي صلاة الجمعة في مدينة الكاظمية المقدسة، على أن وحدة المسلمين واجتماعهم من أهم عوامل قوتهم، وأن جميع الأحكام والمواقف الاجتماعية والعشائرية يجب أن تستند إلى العدل والشريعة، مؤكدًا أن الانتماء إلى الإسلام ينبغي أن يكون العنوان الجامع والأكبر للأمة.
وفي محور آخر، دعا سماحته الآباء والأمهات والعلماء إلى تحمل مسؤولياتهم في تربية الأجيال ومتابعة ما يتعرض له الأبناء عبر الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، محذرًا من إدمانها وانتشار الاستهزاء بآيات الله بين بعض الشباب، ومبينًا أن الأمة لا يمكن أن تنتصر ما لم تُنشئ جيلًا واعيًا بحقوقه وواجباته، متمسكًا بدينه، ومدركًا لما يجري من حوله.
الخطبة الأولى: التقوى أساس الكرامة ووحدة الأمة في مواجهة العصبيات والفتن
استهل الشيخ أسامة الخالصي الخطبة الأولى بالوصية بتقوى الله تعالى، ولزوم أوامره، واجتناب نواهيه، والتمسك بكتاب الله وعترة رسوله (صلى الله عليه وآله)، مؤكدًا أن التقوى هي الميزان الحقيقي للتفاضل والكرامة عند الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهي التي تحصّن الإنسان والمجتمع من مكائد الشيطان وأساليبه في نشر العداوة والبغضاء.
وأوضح أن العصبية كانت أول الفخاخ التي وقع فيها إبليس حين اعترض على أمر الله بالسجود لآدم، متعصبًا لأصله بقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، مستشهدًا بما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) من أن إبليس أظهر ما في نفسه من الحمية والغضب، وبقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب لأصله، فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين».
وبيّن أن الشيطان يعيد إنتاج العصبية في المجتمعات من خلال التفاخر بالعائلة والعشيرة والبلد والطائفة، في مقابل إرادة الله تعالى التي خاطبت الناس بوصفهم أمة واحدة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، فجاء الخطاب القرآني جمعيًا لا يفرق بين عربي وأعجمي، أو بين قوم وآخرين؛ لأن التفرقة مرض اجتماعي ومدخل رئيس للفتن.
وأشار إلى الإشكال الذي وقع قبل نحو أسبوعين بين عدد من الطلبة العراقيين في إحدى الجامعات الإيرانية، مبينًا أن بعض صفحات التواصل الاجتماعي ضخّمته وأعطته أكبر من حجمه، مع أن مثل هذه الخلافات قد تقع بين أبناء البلد الواحد، محذرًا من توظيف الحوادث الفردية لإثارة الانقسام وإبعاد بوصلة الأمة عما يجري وما يُدبّر لها.
ودعا إلى رفض التعصب للعشيرة والقبيلة، مؤكدًا أن من يتصدّى للفصل في النزاعات العشائرية لا يجوز أن يحتكم إلى أهوائه ومصالحه، بل ينبغي أن يستند إلى مرجعية قانونية، والأفضل أن تكون إسلامية؛ لأن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاء بالشريعة ليحكم بين الناس بالعدل، وكل حكم لا يستند إلى العدل والمفهوم الإسلامي حكم باطل.
وأكد أن التجارب أثبتت عجز القوانين الوضعية والأفكار المادية والشيوعية وغيرها عن إقامة العدل والرخاء الحقيقيين، ولذلك رفع العلماء والمصلحون راية الإسلام، مستشهدًا بخطبة الإمام الشيخ محمد الخالصي (رضوان الله عليه) التي أكد فيها هويته الإسلامية بقوله: «أنا مسلم»، وبقول الإمام الخميني (رضوان الله عليه): «نحن لا نهتم بالذين يدّعون الوطنية، نحن نريد أناسًا يقولون: نحن مسلمون». وشدد على أن الإسلام يجب أن يكون العنوان الأكبر الجامع، بدل الارتهان إلى القومية أو العرق أو العشيرة أو الوطنية الضيقة التي تضعف الأمة.
ولفت إلى أن من وسائل الحرب على الإسلام إضعاف شوكة المسلمين وتفريق صفوفهم، بينما شرّع الله صلاة الجماعة والجمعة والحج لتوحيد الأمة وإظهار قوتها؛ إلا أن العصبيات دفعت بعض الناس إلى مقاطعة المساجد والجماعات والعلماء، فحلّ التشتت محل الاجتماع.
وأوضح أن مفهوم نصرة الأخ في الإسلام لا يعني معاونته على الظلم، بل نصرته مظلومًا بدفع الظلم عنه، ونصرته ظالمًا بردعه عن ظلمه، مستشهدًا بوصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر: «الخلق صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، وبحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية».
كما أورد قول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «العصبية التي يؤثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرًا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم»، موضحًا أن المذموم هو التعصب للنفس والعائلة والعشيرة والطائفة والوطن على حساب الحق، أما الحمية للحق فهي ممدوحة، كما كانت حمية حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضبًا للنبي (صلى الله عليه وآله).
وختم الخطبة بالتأكيد أن رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) رحمة لجميع العالمين، وليست خاصة بالعرب أو مكة أو قريش، وأن المسلمين لا يعادون شعبًا من الشعوب، وإنما يقفون في مواجهة من يحارب الإسلام ويعتدي على الأمة.
الخطبة الثانية: مسؤولية تربية الأبناء ومواجهة تخدير الأجيال
وفي الخطبة الثانية، جدّد الشيخ أسامة الخالصي الوصية بتقوى الله، داعيًا الآباء والأمهات إلى الانتباه لتربية أبنائهم، مستشهدًا بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا علي، للولد على والده ثلاث: أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويحسن موضعه».
وبيّن أن تربية الأبناء تكليف شرعي ومسؤولية لا تسقط عن الوالدين، وأن صلاح الولد واستقامته وحبه لله ورسوله وأهل بيته من الأعمال التي يبقى أثرها بعد وفاة والديه، أما إذا انحرف الابن بعد أداء الوالدين واجبهما التربوي فقد أدّيا ما عليهما. واستشهد بقول الشهيد السيد عبد الحسين دستغيب: «لا تجعلوا أولادكم يتعلقون بتلابيب ثيابكم يوم القيامة»، محذرًا من أن يخاصم الابن والديه لأنهما لم يعلّماه دينه أو يدلاه على الطريق المستقيم.
وأوضح أن الشيطان يسعى إلى السيطرة على الذرية، كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي يقودهم كما تُقاد الدابة باللجام. وانتقد ترك الأبناء أسرى للهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، والسهر ليلًا والنوم نهارًا، والانشغال المتواصل بالمقاطع على حساب الصلاة وذكر الله ومجالس العلم والمساجد، محمّلًا الوالدين مسؤولية تسليم الطفل للهاتف لإسكاته، وتركه بلا متابعة أو توجيه حتى يألف مجالس البطالين.
واستشهد بدعاء أبي حمزة الثمالي عن الإمام السجاد (عليه السلام): «لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فخليتني»، مبينًا أن الهاتف أصبح لدى بعض الأبناء بمنزلة الموجّه والمربي، في ظل تراجع دور الأسرة. وحذر من ظاهرة الاستهزاء بآيات الله في بعض مقاطع منصة «تيك توك»، ومن وجود شباب في الخامسة عشرة أو العشرين لا يحسنون قراءة القرآن، محمّلًا المسؤولية للعلماء المقصرين في التوجيه، وللآباء والأمهات الغافلين عن أبنائهم.
وأكد أن الأمة لن تنتصر إلا بجيل واعٍ يعرف واجباته وحقوقه، موضحًا أن حالة التخدير التي أصابت كثيرًا من المجتمعات العربية جعلتها غافلة عما تتعرض له البلدان من احتلال واعتداء وقتل للأطفال والنساء والرجال. ودعا الأسرة إلى تخصيص وقت لمتابعة الأبناء وتوعيتهم من دون اللجوء إلى المنع المفاجئ، بل بالتربية المتدرجة القائمة على الرحمة والتوجيه والحوار.
وبيّن أن المنهج التربوي المروي عن أهل البيت (عليهم السلام) يقسم مراحل التربية إلى ثلاث: ففي السنوات السبع الأولى يُعامل الطفل معاملة الأمير، مع التنبيه الهادئ من دون إيذاء؛ وفي السبع الثانية يُوجّه ويُدرّب على الالتزام والمسؤولية؛ وفي السبع الثالثة يُعامل معاملة الوزير، فيُستشار ويُحترم رأيه، وكذلك تفعل الأم مع ابنتها، بما يهيئ أبناءً صالحين وواعين.
واختتم بذكر قصة الفضيل بن عياض، الذي كان لصًا لاهيًا ثم سمع، وهو يصعد جدار منزل لسرقته، قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فقال: «بلى يا رب، قد آن الأوان»، فتحولت حياته وأصبح عابدًا زاهدًا ومن رواة الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام).
موجّهاً نداءً إلى الشباب والفتيات بألّا يضيّعوا أعمارهم في اللهو، أو يظنوا أن باب التوبة قد أُغلق بسبب ما فاتهم من صلاة أو صيام، مؤكدًا أن باب الله مفتوح، وأن الله يحب العبد التواب، ولا سيما الشاب العائد إليه، قبل أن يختتم بالدعاء للمؤمنين والفقراء والجائعين والمرضى والجرحى والأسرى والمكروبين، وبصلاح أمور المسلمين وتعجيل فرج الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
