رجال في ذاكرة العراق؛ شيخ مجاهدي العراق الإمام مهدي الخالصي الكبير
بقلم: علي الزبيدي
(نشر هذا المقال في جريدة المشرق العراقية، بتاريخ 20 آذار 2017م)
عندَما تُذكر الوطنية والشجاعة والإباء والجهاد والزهد والتقوى يُذكر الشيخ مهدي الخالصي الكبير؛ العالم الورع والزاهد المؤمن والمجاهد الشجاع والصادق الوعد الأمين المؤتمن، فهو علمٌ من أعلام العراق ورجل من رجالاته المميزين، وعندما دعا داعي الوطن للدفاع عن الأرض والعرض ضد الاحتلال البريطاني فكان قائداً للثورة العراقية الكبرى ومخططاً لها وساعياً إلى إشعال الأرض تحت أقدام الغزاة البريطانيين؛ حتى وصفته المس بيل سكرتيرة المعتمد البريطاني في العراق في مذكراتها (الشيخ الخالصي أنه اعنف مجتهدي الشيعة المعادين للبريطانيين وأشدهم شموخاً وانه يرفض كل شيء عدا الاستقلال التام) وتمنت المس بيل أن تضع الخالصي في قارورة وتسدها عليه سداً محكماً ومن هنا نرى صلابة وقوة موقف هذا الشيخ المجاهد الكبير. فمن هو؟
هو: الشيخ مهدي بن محمد الحسين بن عبد العزيز بن محمد الحسين بن الشيخ علي الخالصي الأسدي العربي الأصيل; كان رحمه الله مرجعاً كبيراً من علماء المسلمين في العراق والدول العربية والإسلامية عمل مع بقية علماء العراق وخاصة السيد محمد تقي الشيرازي على تأجيج نار الثورة العراقية الكبرى في 30 حزيران 1920 وكان سبق ذلك بمقاتلة الغزاة البريطانيين في جنوب العراق عند بداية الاحتلال في العام 1914 في البصرة والعمارة، ودعا إلى الجهاد، وأجاز حتى بيع أثاث الجامع لتجهيز المجاهدين وعقد الاجتماعات الكبرى لعلماء الدين وشيوخ العشائر في الكاظمية ووضع الأسس الكفيلة بقيام الثورة، وكان أبرزها اجتماعي الكاظمية الأول والثاني، واجتماع كربلاء الذي عقد في الصحن العباسي في 16 حزيران 1920 والذي أعلن فيه نجله الشيخ محمد بيان الثورة فثارت ثائرة البريطانيين ضده وضد العلماء وشيوخ العشائر الذين شاركوا في الاجتماع. لم تثن تهديدات البريطانيين وملاحقاتهم الشيخ مهدي الخالصي عن مواصلة نهج الثورة ومقارعة الاحتلال البريطاني البغيض فسجل سفرا جهاديا وطنيا لم تزل تذكره الأجيال بكل فخر واعتزاز وتذكر مواقفه الخالدة لقد كان للإمام الخالصي الكبير دور في مبايعة فيصل الاول ملكا على العراق وبفضله ودعواته اصدر علماء ووجهاء مدينته الكاظمية مضبطة في ذلك مشروطة بأن تكون ملكية دستورية ويكون الملك مستقلا في قراراته عن كل وصاية أجنبية وفيما يلي نص المضبطة والموقعين عليها وكذلك من رفض التوقيع عليها كما أوردها السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه الثورة العراقية الكبرى في طبعته الأولى في الصفحتين 37و 38:
بسم الله الرحمن الرحيم
(بناء على الحرية التي منحتنا إياها الدول العظمى وفي مقدمتهن الدولتان العظيمتان انكلترا وفرنسا وحيث إننا ممثلو جمهور كبير من الأمة العربية العراقية المسلمة، فإننا نطالب أن يكون للعراق الممتدة أراضيه من شمال الموصل إلى خليج (فارس)! حكومة إسلامية يرأسها ملك عربي هو احد أنجال جلالة الملك حسين، على أن يكون مقيداً بمجلس تشريعي وطني والله ولي التوفيق. حرر يوم الأربعاء سنة 1337 هجرية وكانت ابرز التواقيع على هذه المضبطة للذوات محمد مهدي صدر الدين والسيد احمد السيد حيدر والحاج عبد الحسين الجلبي والشيخ عبد الحسين آل الشيخ ياسين والسيد إبراهيم السلماسي والسيد حسن الصدر والسيد محسن السيد حيدر) وقد امتنع عن التوقيع على هذه المضبطة كل من: السيد جعفر عطيفة والشيخ حسن السهيل وعمه الشيخ محمد السهيل والحاج عبد الحسين الصراف لأنهم يرون ببقاء الحكم للانكليز.
وكذلك كان رحمه الله ذا علم جم أفاض به على الكثير من طلبة العلم الدارسين في المدرسة الزهراء التي أسسها وأصبح اسمها فيما بعد المدرسة الخالصية وجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير، ومات مسموماً على أيدي احد عملاء القنصلية البريطانية في طهران في ليلة الثاني عشر من شهر رمضان سنة 1343 هجرية.
لقد استقطب الإمام الخالصي الكبير حب العراقيين والتفافهم حوله، ففي عام 1922 بعد تتويج الملك فيصل بعام واحد عندما ثبت للشيخ مهدي الخالصي ان الملك ما يزال سائراً في ركب الانكليز قال كلمته المشهورة من المدرسة الخالصية التي شهدت حفل تتويج الملك سابقاً حيث وقف خطيباً في الناس (بايعنا فيصلاً بشروط وقد اخل بتلك الشروط فلم تعد له في أعناقنا وأعناق الشعب العراقي أية بيعة ليكون ملكاً على العراق) فزلزلت هذه الخطبة البلاط الملكي، فتم نفيه إلى إيران وقضى مسموماً كما اشرنا آنفا.
وكان الشيخ الخالصي الكبير مصلحاً اجتماعياً وقائداً وطنياً وعالماً دينياً يرفض الظلم والاحتلال والسيطرة البريطانية، ودعا الى وحدة العراقيين في وجه المخاطر التي تحيط بالعراق، وكذلك عرف بزهده وعفته ونظافة ذات اليد حتى حدا ذلك أن يقول فيه أحد الشعراء الشعبيين أهزوجته المشهورة:
(غاندي بالهند زغلول بمصر وأنت ثالثهم يمهدي بهالقطر)
حيث اعتبره احد شخصيات العالم الثالث التي كان لها حضورها الفاعل مع شعوبها. ومما يروى عن زهده رحمه الله أن واحداً من وجهاء المدينة أهداه عباءة نائين من النوع الفاخر وغالية الثمن حباً بالشيخ ولكي تقيه من برد الشتاء فتقبلها منه رحمه الله، وبعد ذلك أرسلها مع احد الأشخاص إلى سوق الاستربادي ليبيعها ويبتاع بثمنها عشرين عباءة وزعها على طلبة العلم في المدرسة الخالصية، فلما علم المُهدي عاتب الشيخ بأنه أحب أن يرها عليه فأجابه الشيخ الخالصي (أيهما أحب إليك أن تقابل الله وأنت كاسياً لعشرين رجلاً أم كاسياً رجلاً واحداً).
أما حادثة استشهاده رحمه الله فكانت أيام غضب عراقي وعربي وإسلامي وأقيمت مجالس العزاء في الكاظمية وعدة مدن عربية وإسلامية وكانت قصائد الشعراء وخطب الأدباء تلهب حماس الناس في رفض الانتداب والتسلط الانكليزي. وفي الموسم الخطابي الذي اقيم في المدرسة الخالصية تناوب عدد من الشعراء في رثاء الراحل الكبير وكان في مقدمتهم شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري ومما قاله في قصيدته العصماء:
(ردي الى أوطانه نعشه لا تدفني في فارس يعربا)
كما ساهم في هذه المناسبة كل من الشعراء معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وعبد الحسين الازري والسيد صادق الهندي وكثير من خطباء وشعراء العراق والأمة العربية والإسلامية. هكذا كان رجال العراق قامات عالية وشموخ لا ينحني إلا لخالقه رحم الله الشيخ الخالصي الكبير.