الإمام الخالصي فقيهاً ومجاهداً
لقد تحدثت الروايات عن أهمية الفقيه في الأمة، وفضّلت مداد العلماء على دماء الشهداء، وإذا كان الأمر كذلك فكيف بالفقيه إذا ما جمع الخصلتين الفقاهة والجهاد إلى أن يستشهد مسموماً على يد أعداء الله المستعمرين؟
وإذا كان الإمام الخالصي قرر أن يكون مجاهداً في صفوف الثوار، فإنه لم ينسَ موقعه كفقيه يتعين عليه أن يُبين أحكام الجهاد للمجاهدين لذلك عَزِمَ على كتابة رسالته الشهيرة (الحسام البتّار في جهاد الكفّار) وهي عبارة عن رسالة عملية خاصة بما يجب على المجاهدين في جهادهم، وقد قدم لهذه الرسالة ـ بعد عقود من الزمن ـ حفيد الإمام الخالصي وسميّه آية الله العظمى الشيخ محمد مهدي الخالصي (دام ظله)، وذلك عند إعادة طبعها فكتب في المقدمة:
فذلكة تاريخيّة
بقلم حفيد الإمام الخالصي وسميّه
آية الله العظمى الشيخ محمد مهدي الخالصي (دام ظله)
في أوائل القرن الماضي سنة 1911م، قامت الدول الأوروبية الإستعمارية بفصل جديد من أشرس حملاتها العسكرية المسلحة العاتية على العالم الإسلامي، فغزت إيطاليا طرابلس الغرب (ليبيا) في المغرب الإسلامي، وفي المشرق أقدمت روسيا القيصرية على غزو إيران من شمالها بينما غزتها بريطانيا من جنوبها، فتداعى المسلمون للتصدي لهذه الهجمة العدوانية، كأمة واحدة بقيادة العلماء المجاهدين.
كان للإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي دورٌ بارز مميز في التعبئة العامّة وإعداد الأمّة للمقاومة المنظمة، فقام بجولات تعبوية في أنحاء العراق، باعتباره البلد واسطة العِقد بين جناحي العالم الإسلامي؛ العربي وغير العربي لاسيما في مدنه المقدسة مراكز الإشعاع والتأثير، لبيان خطورة الحدث وما يستدعيه من الأعداء والإستعداد لمقابلته. تمخض الرأي خلالها إلى ضرورة الاجتماع في مؤتمر شامل لبلورة المقررات العملية للحركة.
استضافته مدرسته في الكاظمية في وسط العراق، في اجواء عتبتها المقدسة، حضرها أجلاء العلماء وزعماء العشائر والوجهاء من جميع الطوائف الدينية والقومية، عرف فيما بعد بإسم:
مؤتمر الكاظمية الأول، حيث جرت تداولات انتهت إلى مقررات كان أهمها؛
أولاً: اعتبار الجهاد العام الواجب الشرعي على نطاق الأمة لدحر الغزاة على الكفاية. وفي الأقطار المتعرضة للإحتلال الفعلي، اعتبار الجهاد فيها واجباً عينياً، بلا حاجة إلى فتوى مستجدة أو أذن من أحد، بعد أن اذن الله في كتابه: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)39سورة الحج.
ثانياً: وجوب مد المجاهدين في كل البلاد بالمال والرجال والسلاح.
ثالثاً: تمكين الأقطار المحتلة سابقاً من النهوض والاستمرار في حركاتها التحريرية ضد الغزاة والمستعمرين.
رابعاً: الإعلان عن استعداد العلماء للتوجه إلى جبهات المقاومة بأنفسهم، إذا تبين أن الكفاية لا تحصل إلاّ بوجودهم فيها، استناناً بسنة رسول الله ’ في الغزوات التي قادها بنفسه الشريفة، وقطعاً لذريعة التخلف بلا عذر.
خامساً: عزم العلماء على الخروج فعلاً إلى الجبهات، لإدارة المعارك في حينها.
سادساً: إعداد القوائم بأسماء المتطوعين فعلاً، وقد بلغوا الآلاف، للتوجه للجبهات البعيدة والقريبة على حدٍ سواء، مع كامل الأسلحة والأعتدة وسائر المستلزمات المتوفرة.
مؤتمر الكاظمية الثاني، مع ظهور إصرار العدو على الغزو الاستعماري، والذي ظهرت بوادره عند سنة 1914م بإعلان الحرب العالمية الأولى، وتشكل محاور التحالفات الاستعمارية لتقسيم العالم الإسلامي بينها حسبما انكشف من بنود اتفاقية سايكس بيكو، وتعرض العراق للغزو الفعلي من قبل بريطانيا بإنزال قواتها المتمركزة في منطقة الخليج إلى جنوب العراق، تجددت الحاجة لتكثيف الجهود لتفعيل التعبئة والمقاومة، نشط الشيخ (رحمه الله) نحو تفعيل مقررات المؤتمر السابق، فدعا إلى عقد مؤتمر جديد في الكاظمية، للإنطلاق إلى مرحلة تناسب المستجدات الخطيرة، ولتفعيل المقاومة الميدانية في العراق بحضور عشائري جماهيري مكثف، وقيادة علمائية محسوسة تدحض افتراءات العدو الطائفية الرخيصة التي جرى منذ مدة على إشاعتها بين الناس، والتي كان جوهرها الأساسي المسموم انه يأتي ليس غازياً مستعمراً، إنما يأتي منقذاً لتخليص الشيعة من تحكم خصومهم، متوهماً بأنه سيستقبل بالورود، كما توهم الذين من بعدهم في عصرنا، حيث خابوا ووجدوا الشعب صفاً واحداً في رفض الاحتلال وسياسته التدميرية. وفي احتقار السائرين في خدمة الأجنبي المعتدي.
فإنعقد المؤتمر وجرت مداولات كان الاتفاق على وجوب المقاومة في مقدمة الاجماع على تأكيد مقررات المؤتمر السابق، ونظراً لضيق الوقت على ضوء الاخبار الواردة من الجبهة في الحاجة الملحّة إلى المبادرة العملية، وتجنباً للإنشغال بأمور جانبية، بادر الشيخ (رحمه الله) إلى حسم الموقف بإعلام المؤتمرين عن قراره للتوجه إلى الجبهة بنفسه بلا انتظار، ودعا الآخرين إلى ان يحذو حذوه، على ان يستمر التداول حول التفصيلات أثناء الحركة وعلى ضوء المعاينة الميدانية.
وهكذا توجه مع حشد من العلماء والمجاهدين نحو بغداد في طريقه إلى ميادين المجابهة للقوات الغازية، حيث رابط (رحمه الله) كسائر المقاتلين في الخنادق الأمامية، وجهاً لوجه مع العدو، وفي ظروف اتسمت بغاية الصعوبة من حيث عدم تكافؤ القوى العسكرية، مع الجيش الغازي عدداً وعدة و تسليحاً وتدريباً، إضافة إلى مقتضيات العمر، ومستلزمات المرابطة الميدانية والقيادة الروحية، مع ذلك لم يغفل (اعلى الله مقامه) عن الجهاد بالعلم تفقيهاً بأحكام الشرع، وتعزيزاً لمعنوية المجاهدين، فبادر بجانب إلقاء الدروس اليومية إلى كتابة رسالته الجهادية هذه، ولم تَفُتْه أهمية الجانب الإعلامي لتثقيف المقاومين ولمن هم خارج ميادين القتال في ضرورة ربط جماهير الأمّة بأحداث الميدان، فحرص (قدس سره) رغم قلة وسائل الإتصالات، على ان يبعث بما ينجز من الرسالة يوماً بيوم إلى المعنيين في الحوزات، ومضارب العشائر، وإلى الصحف رغم ندرتها، وكان من ضمنها بل اشهرها: (صحيفة صدى الإسلام) التي كانت تصدر بإنتظام في بغداد، فتولت نشرها أولاً بأول في إحدى عشر حلقة متتابعة، في الفترة ما بين (30 آب إلى 10 أيلول من سنة 1915م الموافق لسنة 1333هجرية قمرية). وقد عثرنا عليها سنة 1970م؛ ضمن جهودنا للبحث عن وثائقنا المفقودة، في محفوظات مكتبة المتحف في بغداد. فسارعت للحصول على صورة مستنسخة منها، قبل ان تتعرض لعاديات الزمان، كما هو متوقع من الآفات على تراثنا العلمي ووثائقنا على مدى عقود بل قرون، كان ابشع تلك العاديات وعلى خلاف المتوقع من دولة تدعي الحضارة، الهجمة البربرية الحاقدة بلا ضرورة او سبب وجيه، من قوات الاحتلال الأمريكي على المتاحف والمكتبات العراقية في حربها الطاحنة على العراق سنة 2003م.
تجاه هذا التدمير المتعمد للتراث والثقافة والإنسان، وما صاحبه من تجاهل المجتمع الدولي لهذه الجرائم وعجزه عن الانتصار لأدنى حقوق الشعوب في الحفاظ على ثقافتها ووثائقها وذاكرتها التاريخية ، آثرنا في هذه الذكرى المئوية للإحتلال الانكليزي الغاشم للعراق، ومعاناة ما يقرب من اثني عشر عاماً على الاحتلال الأمريكي المستدمر في التدمير، آثرنا ان نبادر إلى إعادة نشر هذه الرسالة الفريدة من حيث مضمونها وشخصية مؤلفها، وظروف خنادق القتال التي كتبت فيها، والتي تعكس وثائقياً صفحة من صفحات المجد والمعاناة لهذا الشعب المثابر في صراع ابنائه مع قوى الشر والظلام، وإصراره الذي لا يقوّض، على ان يعيش حراً سيداً متمسكاً بدينه وقيمه لبناء دولته ووطنه، مساهماً في رفد الحضارة الإنسانية بحضارته التي وُجدت معه منذ وجوده، وأصبحت عنصراً لا ينفصم من تكوينه. حضارته التي صانها بمعاناته من الاضمحلال والتحريف والفناء، وصانته بمشيئة الله من الخضوع والتبعية والفناء، آثرنا نشر هذه الوثيقة العظيمة النادرة، بحلتها الوثائقية، كما نشرت قبل مائة عام، معبقة بعبق التاريخ المديد. لتتحدث عن نفسها وقيمها بلا رتوش ولا تمجيد، ولتكشف لجيل المعاناة والمقاومة بنفسها عن حقيقة جهاد العلم والعمل، جهاد السيف والقلم، جهاد صدق اخلاص القول والفعل ، ولتقدم مثالاً عملياً عن معاناة المدرسة و الميدان واندماج فقه الحياة وفقه الجهاد. شحذاً لهمم المقاومين الصابرين، وحجة على المقصرين القاعدين (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) 3 سورة العنكبوت، وذخراً للعلماء المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومنهاج فقه واخلاق للمجاهدين الصابرين، وليصدق قوله تعالى: (وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا* دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(95 -96 سورة النساء، صدق الله العلي العظيم، وصدق رسوله النبي الكريم، والحمد لله رب العالمين.